نفحات من تفسير سورة الكهف من الكهف إلى المدينة: فقه النجاة في زمن الفتن

الجمعة 23 كانون الثاني , 2026 10:40 توقيت بيروت إسـلاميــّـــات

 الثبات-إسلاميات

   حين أذن الله لأصحاب الكهف بالبعث بعد نومٍ طال مداه، لم يكن ذلك إعلانًا للنصر، ولا استعراضًا للكرامة، بل كان امتحانًا جديدًا للإيمان.

 خرجوا من ظلمة الكهف إلى نور الحياة، لكنهم لم يخرجوا من دائرة الحذر، لأن القلوب المؤمنة لا تُخدع بالآيات عن السنن، ولا تُسقط الأسباب بحجة التوكّل. ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَٰذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَىٰ طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ﴾ الكهف: 19

اختاروا واحدًا لا جماعة، وحملوا المال لا المعجزة، وطلبوا الطعام لا الشهرة.

 هكذا يعلّمنا القرآن أن الإيمان لا يعني تعطيل العقل، وأن كرامات الله لا تُدار بطيش، بل بحكمة.

ثم جاءت الوصية التي تختصر منهج المؤمن في زمن الفتن: ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾ تلطفٌ في القول، وحذرٌ في الفعل، وكتمانٌ عند الحاجة.  

لم يقولوا: نحن أولياء الله فلا نخشى، بل علموا أن الولاية لا تعني التهوّر، وأن الله يحب من عبده أن يحفظ نفسه كما يحفظ دينه.

وهذا المعنى قرره النبي ﷺ عمليًا، حين سُئل: أعقلها وأتوكل أم أطلقها وأتوكل؟ فقال ﷺ: ((اعقِلْها وتوكَّل)) رواه الترمذي

فالتوكّل الحق ليس إلغاءً للأسباب، بل اعتماد القلب على الله مع مباشرة الجوارح لما أُمِرت به.

ثم يأتي التحذير القاطع الذي يكشف حقيقة المعركة: ﴿إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾

القتل أهون من الردّة، والرجم أهون من ضياع العقيدة. لذلك كان خوفهم خوفَ وعي، لا خوفَ ضعف.  

فهم يعلمون أن الفتنة في الدين أشدّ من الموت، كما قال الله تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ البقرة: 191  

والمؤمن قد يصبر على الأذى، بل على القتل، لكنه لا يساوم على دينه قال رسول الله ﷺ: ((يأتي على الناس زمانٌ القابضُ على دينه كالقابضِ على الجمر))

إن فقه النجاة في زمن الفتن ليس في الانعزال التام، ولا في الذوبان الكامل، بل في التوازن الدقيق: حضورٌ بلا تفريط، وحذرٌ بلا خوف، وثباتٌ بلا صخب.

أن نعرف متى نُظهر، ومتى نكتم، ومتى نواجه، ومتى نعتزل، وكل ذلك تحت ميزان قوله تعالى:﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾

 وهكذا خرج أصحاب الكهف إلى المدينة بقلوبٍ عامرة باليقين، وعقولٍ متزنة بالحكمة، يعلمون أن النجاة ليست في كثرة الظهور، بل في سلامة الدين، وأن الله إذا حفظ الإيمان تولّى ما سواه. إنها رسالة لكل مؤمن في زمن الاضطراب: كن مع الله قلبًا، وخذ بالأسباب عقلًا، واحفظ دينك… ولو كلفك ذلك كل شيء.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل