"الشاهنامة".. ملحمة شعرية فارسية عُمرها ألف عام.. لو عرفها ترامب لَمَا ارتكب الحماقة _ أمين أبوراشد

الثلاثاء 02 حزيران , 2026 12:34 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات

منذ أيام، ظهر وزير الخارجية الإيرانية عباس عراقشي في إطلالة تلفزيونية، وخلفه خارطة إيران، تحمل بيتاً من الشعر يقول: "إذا كان لا بُدَّ أن تسقط إيران فليسقُط هذا الجسد".
هذا البيت من ملحمة فارسية اسمها "الشاهنامة" (حُكم الملوك) للشاعر الإيراني أبو القاسم الفردوسي، وتقع في ستين ألف بيت من الشعر، كتبها الفردوسي خلال ثلاثين عاماً وانتهى منها في بداية القرن الحادي عشر الميلادي، وهي مزيج من أساطير المجد والبطولات الواقعية التي حققها عظماء الإمبراطورية الفارسية عبر التاريخ.

ما كنا بحاجة ونحن في عصر الإبداع التكنولوجي والذكاء الاصطناعي، إلى أن نعود بالرئيس دونالد ترامب أحد عشر قرناً إلى الوراء، خصوصاً أن دولته يافعة لا يتجاوز عمرها قرنين ونصف، لكن هو الذي قال إنه يريد تدمير الحضارة الإيرانية، دون أن يقرأ هو أو دائرته الضيقة الخائبة، ملخصاً عن إيران في أي كتاب من "تاريخ الحضارات".

ومن التاريخ الحضاري المُتقادم لسلالة الفرس، إلى التاريخ الحديث للثورة الإسلامية الإيرانية منذ العام 1979، حيث بدت إيران قبل عدوان الإثني عشر يوماً من حزيران 2025، وكأنها كتاب مغلق أمام أميركا والعالم من حيث القدرات الذاتية الهائلة، وهي منذ عدوان 28 شباط الماضي لم تفتح كامل كتابها، سوى ما أرادت تسريبه من معلومات عن مواكبة التصنيع الصاروخي لديها خلال الحرب، لحاجات المدن الصاروخية في الجبال، وفي الوقت الذي ادعت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنها دمرت 145 سفينة حربية للبحرية الإيرانية، تبيَّن أن قدرات الحرس الثوري الإيراني ليست في السفُن المطلوبة للحروب المتماثلة، بل في آلاف الزوارق الصغيرة والسريعة التي ترقد في مئات الكهوف البحرية على امتداد 2400 كيلومتر من السواحل الإيرانية، وأن إيران تعتمد هذه الزوارق لحماية واجهتها البحرية المترامية منذ الحرب العراقية - الإيرانية.

والحرس الثوري الإيراني المؤتمن على إنجازات الثورة هو درع ولاية الفقيه، ومسؤوليته المباشرة حماية النظام السياسي الحاكم، ويعتمد استراتيجيات رئيسية تجمع بين الدفاع العسكري والأمن الداخلي والأمان الاقتصادي والاجتماعي، ومواجهة مخاطر الخارج مهما كان هذا الخارج بعيداً، بهدف منع تعرُّض النظام الإسلامي للخطر، وهنا يكمن الخطأ الذي وقعت به إدارة ترامب ومعها بنيامين نتانياهو، في تشبيه واقع إيران بوضع فنزويلا.

نظام الحكم في فنزويلا "ثوري عقائدي مدني" متوارث من الثورة "البوليفارية" الرافضة للاستعمار، والنظام الإيراني "ثوري عقائدي ديني" موروث من ثورة الحسين (عليه السلام)، التي قامت على رفض الظلم أينما كان وفي أي زمان، وأميركا هي أحد أبرز رموزه في العالم المعاصر، والثورة الإسلامية في إيران قامت أصلاً لمواجهة الاستكبار الأميركي والظلم الذي ارتكبه حكم الشاه، ثم أن الحرس الثوري الإيراني هو جيش المهدي المُنتظر ونظام ولاية الفقيه وديعة في عقيدة هذا الحرس.

الفارق الثاني بين فنزويلا وإيران، هو المحيط الجغرافي المختلف، حيث فنزويلا تعيش حالة تحالف ثورية مع كوبا ونيكاراغوا، فيما إيران تجد نفسها وحيدة مع حركات المقاومة في محيط خليجي كان لأميركا الدور الأكبر في تحريضه على إيران، سواء عبر ترويج مخاوف تصدير "ثورة شيعية" إلى محيط ذي غالبية سنية، أو الترويع من مخاطر السلاح النووي الإيراني المزعوم بهدف عقد صفقات أسلحة بتريليونات الدولارات، أو إنشاء قواعد عسكرية من أموال البترودولار لحماية دول الخليج من "خطر إيراني"، لكن هذه القواعد لم تستطع حماية نفسها في أول مواجهة مع إيران.

ولم يخسر ترامب حربه على إيران من الآن، رغم أن إيران أجادت خوض هذه الحرب "غير المتماثلة" ببطولة وبراعة وصبر، لكن خسارة ترامب ومعه نتانياهو حصلت مع الشعب الإيراني عندما حاولت المخابرات الأميركية و"الإسرائيلية" خرق التظاهرات المعيشية وافتعال أعمال القتل بحق المتظاهرين الإيرانيين لتأليبهم على النظام، وعندما ناشدهم ترامب السيطرة على دوائر ومؤسسات الدولة لإسقاط النظام من الداخل، انكفأ المتظاهرون من الشوارع حين لمسوا حجم المؤامرة على نظامهم وسيادة بلادهم.

والآن، لا أحد ينكر التضييق الأميركي الخانق على الشعب الإيراني اقتصادياً ومعيشياً، ولكن الشعب الأميركي يعيش معاناة مماثلة من التضخم والغلاء، نتيجة إجادة إيران استخدام مضيق هرمز سلاحاً شرعياً لها، لردع العدوان وتحقيق النصر، وتجريد أميركا من واجب وجودها "مندوباً سامياً" على بعض الدول العربية والخليجية، وإسقاط هيبتها أمام العالم الغربي والشرقي، وربما إلى الأبد.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل