قلعة الشقيف.. البعد الرمزي مقابل القيمة العسكرية ــ د. ليلى نقولا

الإثنين 01 حزيران , 2026 04:35 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات

أُعطيت السيطرة على قلعة الشقيف قيمة سياسية كبيرة في "إسرائيل"، رغم أن الإعلام "الإسرائيلي" قلّل من أهميتها الاستراتيجية واعتبرها مكسباً تكتيكياً. وفي كل الأحوال، يجب قراءة هذه السيطرة ضمن إطار التحول في طبيعة الحروب، وليس ضمن منطق الحروب التقليدية التي كانت سائدة في النصف الثاني من القرن العشرين أو عام 1982 حين احتلتها "إسرائيل" أول مرة.

في العصر الحديث، فقدت الجغرافيا جزءاً من فعاليتها، (بالرغم من بقاء المرتفعات مهمة لوضع الرادار وبعض الأمور العسكرية الأخرى)، نتيجة ثلاثة تطورات رئيسية:

تطور وسائل الاستطلاع الجوي:
لم تعد الرؤية مرتبطة بالارتفاع الجغرافي، بل باتت عبر الطائرات المسيّرة والأقمار الصناعية، ما أدى إلى تراجع احتكار المواقع المرتفعة لوظيفة المراقبة.
انتشار الصواريخ الدقيقة والاستهداف الفوري
المواقع المرتفعة أصبحت أكثر عرضة للكشف والاستهداف، نظراً لسهولة رصدها وصعوبة إخفائها، ما يحوّلها من ميزة دفاعية إلى نقطة عرضة للخطر.
الانتقال إلى الحرب الشبكية المترابطة: أي أن القيمة القتالية لأي موقع مرتبطة بقدرته على الاندماج ضمن شبكة متكاملة من العمليات العسكرية، وليس كنقطة مشرفة بحد ذاتها، وبات معيار السيطرة بالنار أكثر أهمية من الاشراف البصري البحت.
ضمن هذه المعادلة، لا تمثل قلعة الشقيف عقدة حاسمة بحد ذاتها. على سبيل المثال، إن التلال الخمس الحدودية التي أبقت عليها "إسرائيل" محتلة منذ 2024، والتي تُصنّف بـ“التلال الحاكمة التكتيكية”، لها أهمية عسكرية أكبر من الشقيف.
أهمية تلك التلال أنها تقع على تماس شبه مباشر مع الحدود، وتتيح مراقبة فورية للقرى الجنوبية، إضافة إلى قدرتها على تأمين سيطرة نارية سريعة على أي تحرك على الحدود.  وتنبع أهمية تلك التلال من ارتفاعها، وقربها من الحدود، ودمجها مع منظومة "الدفاع" عن المستوطنات الشمالية.
وفي نفس الإطار، تبرز مواقع مثل تلة علي الطاهر كأكثر تأثيراً من الشقيف، فهذه التلة مرتفعة وتمنح جيش الاحتلال قدرة أكبر على التأثير في الحركة والانتشار ضمن محيط النبطية، ما يمنحها قيمة عملياتية أعلى ضمن معادلة القتال الحديثة.

وهكذا، يمكن تصنيف السيطرة على الشقيف كمكسب تكتيكي محدود، لا يرقى إلى مستوى التحول الاستراتيجي، إذ لا تتحكم القلعة بمفصل حركة رئيسي، ولا تشكل نقطة حاسمة في خطوط الإمداد، ولا تمكّن من فرض سيطرة نارية حاسمة على مراكز ثقل سكاني أو عملياتي.

وعليه، وفي ضوء محدودية القيمة العسكرية الاستراتيجية الكبرى، يمكن تفسير السلوك الإسرائيلي "الاحتفالي" من خلال ثلاثة أمور:

1-   البعد التاريخي الرمزي: لأن القلعة شكّلت محطة مهمة في احتلال لبنان عام 1982، فهي رسالة الى الجمهور الداخلي لتعزيز الثقة بالقدرة على احتلال لبنان بعد مرور أشهر على بدء الاجتياح.
2-   البعد الإعلامي: تصوير العلمين على الشقيف، يعطي صورة "انتصار" فورية كبيرة، بغض النظر عن تأثيره الفعلي على مجريات العمليات العسكرية الدائرة حالياً في جنوب لبنان.
3-   الحرب النفسية: دفع اللبنانيين الى الانهيار، وتأليب الناس وبيئة الحزب عليه، والتأثير على مسار التفاوض بدفع السلطة اللبنانية الى تقديم تنازلات كبيرة بهدف تأمين الانسحاب من لبنان.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل