"النحلة الانقضاضية" والكربلائيون اللبنانيون... تهديدٌ استراتيجي "لإسرائيل" _ د. نسيب حطيط

الأحد 31 أيار , 2026 10:02 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات
بعد تسعين يوماً على  الاجتياح والقتال يقف  جيش الاحتلال "الإسرائيلي" عاجزاً عن تحقيق أهداف حربه، منتقلاً إلى مرحلة أسوأ وأصعب؛ مرحلة عدم تأمين الحماية لجنوده وضباطه، وبدل أن يكون سيد المعركة ومديرها وقائدها، وبدل أن يُطارد المقاومين صار هو المُطارَد والمختبئ بشباك عنكبوتية وأقفاص حديدية.. يعيش حالة من الإرباك والاستسلام أمام "النحلة الانقضاضية" التي تدخل مواقعه العسكرية ونوافذ البيوت، والتي حوّلها "أطباء الميدان" المقاومون إلى "تحميلة متفجرة" لمعالجة الغرور والتوحش الذي أصاب الأفراد والقيادات العسكرية والسياسية "الإسرائيلية"، ولشل حركة الدبابات، والآليات، والجرافات، وحتى القبب الحديدية!
صرح رئيس الوزراء "الإسرائيلي" بنيامين نتنياهو الذي يريد إقامة "إسرائيل الكبرى" والقضاء على المقاومة واجتثاثها من لبنان أن "الطائرة الانقضاضية الصغيرة للمقاومة تشكل تهديداً استراتيجياً لدولة إسرائيل"، ووضعها في مستوى السلاح النووي الإيراني من ناحية التهديد والخطورة والفعالية، وكأنها سلاح دمار شامل "لإسرائيل"، فتحولت إلى "سلاح نووي لبناني"، رغم حجمها وعدم اختصاصها العسكري ابتداءً،  بعدما استطاع المقاوم اللبناني الشجاع والمحترف الذي يقودها أن يقصف العقل "الإسرائيلي" ويفجّر غروره، ويهزم  تفوّقه التقني والعسكري الذي تتباهى به "إسرائيل"، بعد أن عجزت عن حماية جنودها ومستوطنيها الا بوسائل بدائية من الشبكات العنكبوتية والأقفاص الحديدية،  والأهم من ذلك أن المقاومة بصمودها وتقنياتها جعلت المحتلين أمام ثلاثة خيارات يجمعها قاسم مشترك واحد، بعدم القدرة على النصر أو الفوز في الميدان، بل خسائر عسكرية ومعنوية واستراتيجية وفق الآتي:
- الخيار الأول: التوغل وتوسيع جغرافيا الاحتلال: بهدف توسيع المنطقة الأمنية العازلة والقضاء على مواقع التحكم والسيطرة للمقاومة التي تدير عمليات المسيرات الانقضاضية والصواريخ الموجهة، ما يفرض على الاحتلال طرق إمداد طويلة وصعبة تجعله صيداً سهلاً للمقاومين، وانتشاراً أوسع لجيشه في جغرافيا صعبة ومثالية لحرب العصابات، فالجنوب مجموعة تلال وأودية متسلسلة تعيق التحركات البرية. وإذا عاد الاحتلال لاستخدام الطائرات للتموين وتبديل القوى؛ كما كان يفعل قبل عام 2000، فإنه سيتعرض لخطر أكبر بإسقاط الطائرات وإطالة مدة تبديل الجنود، مما يصيبهم بالإنهاك وفقدان القدرة على القتال.
- الخيار الثاني: التراجع والانسحاب: دون إحراز أي هدف من أهدافه التي أعلنها في بداية حربه، وهي الأهداف الثابتة منذ اجتياحات عام 1978 و1982، وحروب 2000 و2006 و2024 و2026، مما سينعكس هزيمة عسكرية ومعنوية للجيش "الإسرائيلي"، وهزيمة سياسية لنتنياهو والقيادة السياسية التي ستدفع ثمنها حتماً في الانتخابات "الإسرائيلية" القادمة.
- الخيار الثالث: البقاء في الميدان: بقاء الجيش "الإسرائيلي" في ساحة الميدان مرتبكاً، وتحوله إلى طرائد للصيد في حقل رماية المقاومين في الجنوب، والاستمرار في الثأر منهم بقتل أهلهم المدنيين، وإخلاء قراهم، وتفجير بيوتهم، وارتكاب المجازر التي لا يمكن صرفها في السياسة أو الميدان، والغرق في وحل حرب الاستنزاف التي يخوضها المقاومون، وهذا ما لا تتحمله "إسرائيل" التي تعترف أن معدل الإصابات في الجنوب هو" إصابة كل ساعة" في حدها الأدنى.
لن ينسحب الغزاة "الإسرائيليون" من الجنوب إلا بالنار، ولن يعود أهل الجنوب إلى ديارهم إلا بتضحيات المقاومين؛ كما في المرة الأولى عام 2000، رغم كل الأثمان التي يدفعها المقاومون الأبطال، حيث إن معادلة القتال التي يخوضونها تقوم على وجود مقاومين وشهداء، ولا أسرى ولا جرحى، فكل المقاومين في الخطوط الأمامية أو الخلفية للدعم هم استشهاديون، ولأول مرة يكون الميدان في هذا السمو والنقاء والاستشهاد الجماعي الواعي والمؤمن، وليس الانتحاري العشوائي أو العبثي.
نحن في منتصف الطريق، ولا خيار لنا سوى التقدم إلى الأمام، بالمقاومة في الميدان، والصبر والصمود في المقاومة المدنية للصامدين والنازحين الشرفاء الصابرين الذين يخوضون معركة معنوية ونفسية استشهادية بكظم غيظهم وضبط النفس، وتحمل الأذى من حكومتهم وشركائهم في الوطن، مع عتاب ودود وأخوي للذين تأخروا عن الإسناد والمشاركة في الفتح.
الانتصار على الغزاة لن يكون رغبة أو أمنياً فقط، بل سيكون واقعاً قريباً وعاجلاً، ولن يتأخر عندما يأذن الله بالنصر لهؤلاء الطيبين المقاومين الشجعان، ويرزقهم من حيث لا يحتسبون ضربة قاصمة للعدو تجبره على الانسحاب فراراً محاولاً النجاة، وربما يظن البعض أن هذه أضغاث أحلام، لكنها ستكون بإذن الله وبرصاص المجاهدين حقيقة تُثلج قلوب أهلنا الحزينة، وتستبدل دموعهم وبكاءهم بدموع الفرح الذي سيهديه المقاومون الشهداء، والمقاومون الذين لا زالوا يقاتلون، إلى أمهاتهم وأبنائهم وأهلهم الشرفاء.
لا تهنوا ولا تحزنوا ،لأنكم "وحدكم"... فحسبكم الله ونعم الوكيل.. وكفى به وكيلاً.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل