"إسرائيل" بين الربح الجغرافي المؤقت.. والخسارة العسكرية الاستراتيجية _ د. نسيب حطيط

السبت 30 أيار , 2026 01:11 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات
يستمر العدو "الإسرائيلي" في حربه الخاسرة، مستهدفاً المقاومة اللبنانية وأهلها، والتي تبدو في ظاهرها لصالحه، بناء على ما يدمره من بيوت وقرى ومدن، وما يحققه من تقدم جغرافي في الجنوب ويفاخر بـعبوره "نهر الليطاني" واعتباره إنجازاً استراتيجياً، مع أنه اجتازه في الماضي مرتين، وتجاوزه الى نهر الزهراني والأولي والدامور وصولاً إلى نهر بيروت.
بعد 80 يوماً من القتال، وسّعت "إسرائيل" جغرافية احتلالها في بعض المحاور لمسافة لا تتعدى 3 كيلومترات، عن احتلالها السابق، وتجاوز وقت وصولها الى “زوطر" ما احتاجته من وقت عام 1982 للوصول من الناقورة إلى بيروت.
الموضوعية والواقعية تقتضيان عدم تسخيف أو التقليل مما أنجزه العدو ا ضد المقاومة وربحه للعديد من النقاط، بدءاً باغتيال رمز المقاومة وقائدها "السيد الشهيد"، وأغلبية قياداتها الميدانية التاريخية، وإلحاق الأذى المعنوي والمادي بها طوال 15 شهراً من الاغتيالات والقصف، مقابل التزام المقاومة بوقف النار وضبط النفس، لحاجتها لإعادة هيكلة تنظيماتها ومستلزماتها القتالية.
ربح العدو فرصة ذهبية تاريخية ومثالية لن تتكرّر؛ منحتْه كل أوراق القوة التي يحتاجها للقضاء على المقاومة،  قابله وضعٌ استثنائي سلبي، للمقاومة التي وصلت إلى أسوأ أوضاعها وفق الآتي:
استفراد العدو بالمقاومة بعد إخماده للمقاومة الفلسطينية، وصمت وتَحييد كل الجبهات العربية والإسلامية.
إسقاط النظام الداعم للمقاومة في سوريا وتنصيب نظامٍ معادٍ، وقطع طرق الإمداد، وخسارة العمق الاستراتيجي السياسي والعسكري، وحتى استقبال النازحين.
تنصيب حكومة لبنانية متعاونة مع "إسرائيل" وأمريكا، تؤمّن الغطاء الشرعي والقانوني للحرب "الإسرائيلية".
- حشد بعض القوى السياسية والطائفية اللبنانية في مواجهة المقاومة وأهلها. 
-  اعتبار المدنيين من أهل المقاومة هدفاً عسكرياً، للضغط على ابنائهم المقاومين في الميدان.
- الإذلال المعنوي لأهل المقاومة، عبر أوامر الإخلاء المتكررة للقرى، ومحاولة إظهارهم كعبيدٍ للأوامر "الإسرائيلية" التي تضعهم بين خيارين، البقاء بانتظار الاغتيال أو الإخلاء الذليل لترهيبهم وتعذيبهم نفسياً بتصوير تدمير بيوتهم، وقتل أبنائهم المقاومين..
 رغم كل هذا المشهد "الذهبي" لصالح العدو، والذي عبّر عنه نتنياهو "من كان يصدق أن تفعل الحكومة اللبنانية ما فعلته"، فإن المقاومة الشجاعة والمحترفة، وصمود أهلها أفشلا حتى الآن المشروع "الإسرائيلي" - الأمريكي للقضاء عليها وفرض الاستسلام بالقوة، وأدخلت المقاومة القيادةَ العسكرية "الإسرائيلية" في "قفص حديدي" على مستوى الميدان، وفي مأزق سياسي من الإرباك والتردد والخيبة في الداخل "الإسرائيلي" فعلى المستوى العسكري:
- عدم الاستقرار الجغرافي حيث يتقدم جيش الاحتلال لكنه لا يستطيع الاستقرار ويصطاده المقاومون باعتراف العدو 1600 قتيل وجريح في ثمانين يوماً (بمعدل إصابة كل ساعة).
- نفاد بنك الأهداف بعد استهلاك أهدافه، باغتيال القيادات، وقصف مخازن الصواريخ، وغبائه المتوحش وتسرّعه بتدمير القرى، مما كشفه لمسافات بعيدة وجعل جنوده صيداً سهلاً للمقاومين.
- انحصرت إنجازات العدو منذ ثلاثة أسابيع ،بقصفه  المتوحش للمدنيين خارج منطقة القتال والذي لا يمكن صرفه سياسياً أو عسكرياً، لأن الحاضنة الشعبية للمقاومة، مهما تعاظمت تضحياتها، لن تنقلب على أبنائها المقاومين.
- استسلام وعجز القيادة العسكرية والسياسية "الإسرائيلية" أمام المسيرات "الانقضاضية" للمقاومة، التي "قهرته" معنوياً وتقنياً، فتحول من "جيش نووي" إلى جيش مسجونٍ في قفص حديدي وتحت شباك صيد عنكبوتية. وبدلاً من أن يعيدوا لبنان إلى العصر الحجري بالتدمير، أعادت المقاومة تقنياتهم العسكرية الفاشلة إلى العصر الحجري.
يستطيع العدو التقدم جغرافياً، فلا يمكن لبضعة آلاف من المقاومين المحاصرين أن يمنعوا تقدّم أقوى جيش في المنطقة ويجب ألا نسأل كيف تقدمت "إسرائيل"، بل كيف استطاع هؤلاء المقاومون الشجعان القتال والصمود "وحيدين" كل هذا الوقت بأسلحتهم الفردية؟!
لقد ربح العدو "الإسرائيلي" مؤقتاً في الجغرافيا، لكنه خسر استراتيجياً على المستويين العسكري والسياسي، فلم يستطع اجتثاث المقاومة وكلما توغّل في الجغرافيا، كلما زادت خسائره في حرب استنزاف لا يستطيع تحمل أثمانها وسيُهزم وسينسحب فارّاً وإذا كان طرده في المرة الأولى قد استغرق 22 عاماً، فلن يستغرق فراره هذه المرة 22 شهراً، أو ربما نصفها، وسيعود أهلنا ،ليعمّروا بيوتهم ويزرعوا حقولهم.
الجغرافيا هي سلاح العدو لفرض شروطه، والوقت (صموداً وصبراً) هو سلاح المقاومين لإسقاطها فمن يصبر أكثر، فهو الرابح والمنتصر.
لا خيار لنا إلّا الصبر (مع تامين مقومات العيش ) والمقاومة، نقاتل وحدنا وسنبقى، إلى أن يستشعر الآخرون الخطر ويهبّوا للدفاع عن أنفسهم.
 صمودنا واستنزافنا للعدو هو إسناد ودرع حماية للجميع، فإذا صمتت جبهة لبنان سَتضعف الجبهات الأخرى وتنكشف!


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل