خاص الثبات
في لحظات المنعطفات التاريخية الكبرى، يظهر دائماً من يحاول تسويق الاستسلام في قوالب الإنسانية، وتغليف الطروحات المشبوهة بشعارات الحرص والحماية. هذا تماماً ما نشهده اليوم من خلال العريضة التي يروّج لها بعض المشبوهين، منساقاً خلفهم بعض السذّج والأبرياء، والتي تطالب بتحويل مدينتَي النبطية وصور إلى مدينتين محايدتين ومنزوعتي السلاح تحت ذريعة حماية التراث الإنساني وصون أرواح السكان.
إن هذه الدعوة، في جوهرها وأبعادها، لا تمتّ بصلة إلى الخوف على المدينتين أو الرغبة في إنقاذهما. بل هي، بوعي أو بدون وعي، إعادة إنتاج حرفية للأكاذيب الإسرائيلية التي دأب الاحتلال على ترويجها لعقود. إنها محاولة خبيثة لقلب الحقائق والقول بأن مشكلة لبنان تكمن في وسيلة دفاعه لا في أصل وجود العدوان، وأن السلاح المقاوم هو المشكلة وليس الاحتلال الإسرائيلي وأطماعه التاريخية.
تزييف التاريخ وتبرئة المعتدي
يتناسى المروّجون لهذه الأفكار، عن حقائق التاريخ والجغرافيا. لم تكن أطماع إسرائيل في جنوب لبنان يوماً وليدة اللحظة، ولم ترتبط بوجود فصيل مقاوم أو سلاح دفاعي. إن المشاريع التوسعية الصهيونية، من نهب مياه نهر الليطاني إلى قضم الأراضي والسيطرة على التلال الاستراتيجية، سبقت انطلاق المقاومة بعقود طويلة. لقد كان الجنوب ساحة مستباحة للاعتداءات والمجازر قبل أن يمتلك أهله السلاح الذي يردع هذا التغول.
إن الاحتلال الإسرائيلي لا ينتظر ذرائع ليمارس عدوانه، بل يتربص بالفرص السانحة لفرض هيمنته وتحقيق مخططاته التوسعية. وعندما تعجز الآلة الدعائية الصهيونية، بكل جبروتها، عن إقناع العالم بأن الضحية هي المسؤول عن الجريمة، يأتي من داخل البيت اللبناني، عن جهل مركب أو سوء نية مبيتة، من يتطوع للقيام بهذه المهمة القذرة؛ فيبرئ المعتدي من مجازره ويحمّل اللبنانيين مسؤولية دمار بيوتهم ومدنهم.
وهم «المدن المفتوحة» وشراكة الردع
إن الطرح القائل بأن تجريد النبطية وصور من السلاح سيحميهما هو قمة الوهم والتدجيل السياسي. إن ما يحمي هاتين الحاضرتين، وما يضمن بقاء أهلهما في أرضهم، ليس الوعود الدولية الجوفاء ولا صكوك الاستسلام المبطنة، بل معادلة الردع القائمة على الأرض. فالعدو الذي لا يقيم وزناً للقرارات الدولية ولا للقيم الإنسانية، لن تردعه عريضة أو إعلان خطي، بل يرتدع فقط عندما يعلم أن لكل اعتداء ثمناً باهظاً يدفعه من أمنه واستقراره.
إن تحويل المدن الحاضنة للمقاومة إلى «مدن مفتوحة» ليس خطة إنقاذ، بل هو إعلان صريح لفتح الباب على مصراعيه أمام المشروع الصهيوني الذي لا يستهدف الجنوب وحده، بل يضع لبنان بأسره في دائرة الاستهداف.
النبطية وصور: حصن الوطن لا خاصرته الرخوة
إن النبطية وصور لم تكونا يوماً مجرد نقاط جغرافية على الخارطة، بل هما عاصمتا الصمود، وخزان الوعي والكرامة الذي تحطمت عليه أوهام "إسرائيل الكبرى". إن محاولة نزع السلاح منهما تحت مسمى الحياد هي محاولة لخلع درع الوطن وتحويل خاصرته إلى نقطة ضعف يسهل اختراقها لتصفية القضية اللبنانية برمتها.
في الختام، يجب أن يدرك الجميع أن لغة التنازل والحياد أمام عدو إحلالي إلغائي هي انتحار جماعي. الحماية الحقيقية تُصنع بالقوة والوحدة والالتفاف حول خيار المقاومة، أما العرائض المشبوهة فلن تجد لها مكاناً سوى في سلة المهملات التاريخية، لتبقى النبطية وصور كما النهر، عصيتين على الانكسار، وقادرتين على ردع المعتدي مهما عظمت التضحيات.
"إسرائيل" بين الربح الجغرافي المؤقت.. والخسارة العسكرية الاستراتيجية _ د. نسيب حطيط
أميركا.. وحرب المفاوضات لتفكيك محور المقاومة _ د. نسيب حطيط
أميركا في المفاوضات: سفينة مُتهالِكَة عاجزة عن الإبحار من "هرمز" _ أمين أبوراشد