أقلام الثبات
اعتمدت أمريكا استراتيجية مفاوضات "الإلهاء والوهم والهُدَن القصيرة"، لتفكيك ما تبقى من محور المقاومة وفصل ساحاته، وإثارة الشكوك والنقد بين أطرافه، لشراء الوقت والتحضير للحرب القادمة، دون أي ضمانة لتوقيع أي اتفاق والاستمرار بالتفاوض مع إيران وفق ما تحتاجه "إسرائيل" لإنجاز مشروعها بإسقاط الجنوب حتى الزهراني، بعد تعديل خططها وتجاوزها للقرار الدولي 1701 واتفاق تشرين 2024 وأهداف حربها الأخيرة التي كانت محصورة جنوب الليطاني، لِتتقدم نحو الزهراني، مع الخوف من تكرار ما فعلته في اجتياح عام 1982، والذي كان مقرراً أن يتوقف عند نهر الزهراني، وقد أبلغت الأطراف الإقليمية بذلك والمقاومة الفلسطينية، إلا أن مطالبة القوى السياسية اللبنانية المتحالفة مع "إسرائيل" بالاستمرار، دفع العدو للتقدم واحتلال العاصمة بيروت، وفرض انتخاب رئيس جمهورية واتفاق 17 أيار، مع فارق ان يتم اسقاط بيروت من الداخل بعد سقوطها سياسيا بحكومة "الثنائي الأمريكي".. بعد توقيع اتفاق وقف النار الجزئي بين إيران و"إسرائيل" وأمريكا ، الذي تم استثماره لفصل الساحات ،فاستفردت "إسرائيل" عسكرياً بالمقاومة اللبنانية التي لا تزال تقاتل منذ 40 يوماً “وحيدة"، واستفردت بها أمريكا "سياسياً" عبر الحكومة اللبنانية والتفاوض المباشر، والعمل المشترك ضد المقاومة وأهلها.
تراوغ أمريكا في المفاوضات مع إيران وتعمل على تمديدها 60 يوماً، لإعطاء الوقت الكافي "لإسرائيل" لإنجاز اجتياحها، وللالتفاف القانوني على حرية الرئيس ترامب بشن الحرب، وربما تحضيراًَ لضربة خاطفة قادمة.
تجاوز جيش الاحتلال نهر الليطاني ووصل إلى مشارف النبطية، ويحاصر مدينة صور، لإسقاطها من البحر والبر والقصف الجوي بعد إخلائها، وتم إفراغ الجنوب من سكانه، خلافاً لما كان عليه الواقع في اجتياح 1982، حيث تم إخلاء الجنوب من المسلحين الفلسطينيين واعتقال الشباب اللبنانيين في أنصار، مما ينذر بالخطر الكبير والاستثنائي الذي يتعرض له الجنوب والطائفة الشيعية منذ قيام "إسرائيل" عام 1948 وفق الآتي:
- طردهم من قراهم وتدميرها، لمنع عودتهم وتشتيتهم أفراداً وعائلات.
- عدم الاعتراف بهم كمهجّرين من قبل الحكومة اللبنانية أو المؤسسات الدولية.
- إعادة إحياء المنطقة العازلة الخالية من "الشيعة" على حدود فلسطين وتحويلها إلى منطقة صديقة، إما بإخلائها او إقامة المستوطنات أو إسكان طوائف وجماعات متعاونة مع "إسرائيل"، وفق عملية تبادل ديموغرافي بين الشيعة وبقية الطوائف، وربما توطين الفلسطينيين بعد القضاء على آخر قوة تعارضه.
قال الإمام الخميني: "فإذا ما ردّدت أمريكا وإسرائيل كلمة (لا إله إلّا الله) فإنّنا لا نصدّقهما لأنّهما تريدان خداعنا، وعندما تتحدّثان عن السلام فإنّهما تريدان أن تورّطا المنطقة بالحرب"، ونحن اليوم نقع في فخ الكذب والخداع، ونصدق أن الشيطان صار "تقيّاً" ويمكن الحوار معه!
إذا استمر التفاوض مع أمريكا، كما كان منذ 40 يوماً، فسيدفع محور المقاومة خسائر استراتيجية، أوّلها سقوط "الجنوب - جبل عامل - برمزيته العقائدية وموقعه الجغرافي وقوته المقاومة التي تتجاوز في خسائرها سقوط سوريا وإبادة غزة، لأنها سَتغلق آخر الجبهات البرية، وستحوّل المقاومة من فعل ميداني مؤثر وحقيقي إلى مقاومة "أون لاين" يستطيع العدو "الإسرائيلي" تحمّلها.
المقاومة اللبنانية آخر خطوط الدفاع عن المشروع المقاوم والقضية الفلسطينية والإسلام الأصيل، وهي على مشارف الحصار والإنهاك، وصحيح ٌأن العدو لا يستطيع القضاء عليها لكنه يستطيع إزاحتها من الجغرافيا، والأخطر تهجير أهلها وتدمير القرى والمدن ومحو الهوية، بالتلازم مع تعالي بعض الأصوات بطرد الشيعة لإنقاذ لبنان.
هل يعيد محور المقاومة مراجعة الأربعين يوماً الماضية ويبادر لإسناد المقاومة في لبنان التي أعطت فوق ما تستطيع، وقاومت بشكل يشبه المستحيل؟
إن استراتيجية التضحية بالجزء لإنقاذ الكل سيكون قاتلاً إذا كان الجزء هو "القلب"، والمقاومة اللبنانية هي قلب المشروع المقاوم العربي والإسلامي.
بادروا قبل سقوط "النبطية"... فلا يزال المقاومون يمنحونكم الفرصة لتعويض ما فات، وإن لم يقاتل المحور في جنوب لبنان فستقاتله أميركا وتهزمه وتقسّمه.
استفيدوا من قوة المقاومة اللبنانية للدفاع عن أنفسكم... ولا تنسوا أنها الأكثر إيلاماً للعدو، فخلال ثمانين يوما اعترفت "إسرائيل" بإصابة 1700 من جيشها مقابل اعترافها بإصابة 500 مدني في الحرب مع إيران واليمن والعراق...!
جبل عامل ليس جغرافيا، بل هوية وذاكرة ..
سنعود... وسيرحل المحتلّون بإذن الله الجبّار ومن ثَم سواعد المجاهدين.
أميركا.. وحرب المفاوضات لتفكيك محور المقاومة _ د. نسيب حطيط
الجمعة 29 أيار , 2026 12:46 توقيت بيروت
أقلام الثبات
أميركا في المفاوضات: سفينة مُتهالِكَة عاجزة عن الإبحار من "هرمز" _ أمين أبوراشد
ليست حرباً أو احتلالاً "إسرائيلياً".. بل تطهير عرقي _ د. نسيب حطيط
بين التهدئة والتسوية.. هل ينجو لبنان من النزاع المجمّد؟ _ د. ليلى نقولا