أميركا في المفاوضات: سفينة مُتهالِكَة عاجزة عن الإبحار من "هرمز" _ أمين أبوراشد

الجمعة 29 أيار , 2026 12:43 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات

الصين خذلت ترامب برفض الضغط على إيران، وبوتين زار بكين بعد يومين من مغادرة ترامب، واحتُفل بالنصر المشترك على سقوط أحادية أميركا، وحلف "الناتو" يرفض المشاركة العسكرية في فتح مضيق هرمز بالقوة، رافضاً أن يكون خشبة الخلاص للمغامر الأميركي المُكَابِر على الجميع، وخبراء في الملاحة الدولية يقولون: لو تقاضت إيران رسوماً مقبولة على عبور السفن، سواء تحت عنوان تعويض تلوث بيئي أو كلفة صيانة المضيق، فهي لن تتجاوز ارتفاع كلفة التأمين على السفن من مخاطر الحرب.

ولعل أكبر خسائر أميركا في هذه الحرب، هي في انتصار السردية الإيرانية عبر الإعلام العالمي على نظيرتها الأميركية، ليس لأن وسائل الإعلام الإيرانية تفوقت على كبريات الوكالات ووسائل الدعاية في أميركا، بل لأن تغريدات وتصريحات ترامب المُتعالية والجوفاء والمتناقضة، والتي لا تتوقف على مدار الساعة دون القدرة على الفعل، هي التي جعلت صورة أميركا، لدى الحلفاء قبل الخصوم، كرتونية رَثَّة، أشبه بورقة خريفية تقاوم السقوط بمجرد هبوب رياح إيرانية مُشبَعَة بالعزم على الثأر لنحو 47 سنة من الحصار الظالم والعدوان.

بات دونالد ترامب بتغريداته وتصرحياته أضحوكة الأميركيين والعالم، والحديث عن تفعيل المادة 25 من الدستور الأميركي التي تتناول حالات عدم "أهلية الرئيس للحُكم" لم يعُد مقتصراً على الحزب الديمقراطي، بل لامس القواعد الانتخابية للحزب الجمهوري، وزاد من مخاوف القيادات العليا في الحزب حول القدرة على الاحتفاظ بالأغلبية في الكونغرس (مجلسيّ النواب والشيوخ)، نتيجة الأداء غير المنضبط للرئيس، لجهة إدارة السياسات الخارجية بطريقة عدوانية، أو في تمزيق نسيج التحالفات التاريخية مع الحلفاء، خصوصاً في الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو.

بعض المراقبين اعتبروا أن ترامب "الفاتح على حسابه" عبر Truth Social، أعفى إمبراطورية الإعلام الأميركي من مهامها، وأعفاها في نفس الوقت من الإحراج، نتيجة إطلاق مواقف همايونية والتراجع عنها بعد لحظات، مما يسبب إرباكاً دائماً للدائرة الضيقة حوله من وزراء ومستشارين، كما فعل في إطلالة صحفية قبل ساعات؛ يتوسط وزير خارجيته ماركو روبيو عن يمينه، ووزير الحرب بيت غيغسيث عن يساره، وبحضور وزراء ومستشارين، و"يأمر" السعودية وقطر بوجوب التطبيع مع "إسرائيل" والانضمام إلى "الاتفاقيات الإبراهيمية"، لا بل ذهب إلى ما هو أبعد، وهدد بتفجير سلطنة عُمان في حال رفضت الانضمام، سلطنة عُمان، هذه الدولة العربية الإسلامية المُسالمة، المنسجمة مع محيطها، والعاملة على الدوام بصفة الوسيط لإرساء السلام الإقليمي، يعتقد ترامب بكل بلاهة أن بإمكانه المساس بسيادتها وأرضها، وتبقى كل من اليمن وإيران على الحياد.

انتصرت إيران، أو هزمتنا إيران، هذا ما يتردد في الشارع السياسي والعسكري والشعبي الأميركي، والنصر الإيراني لا يقتصر على الصمود الدفاعي، بل في المواقف الصلبة على طاولة المفاوضات، إلى حدود الطلب الأميركي من باكستان التوسط لدى إيران بالتعاون مع الصين لوقف إطلاق النار، وهذا الطلب قديم جديد، حيث كانت هناك مبادرة باكستانية - صينية من خمسة بنود في شهر آذار الماضي، وعلى أساس المبادرة نفسها زار رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف بكين في الأيام الثلاثة الماضية بطلب أميركي.

بدورها، شبكة CNN أصدرت تقريراً يختصر 15 شهراً من ولاية ترامب الثانية، ذكرت فيه أنه اعتدى عسكرياً بالقصف أو هدد بالاعتداء على 15 دولة، وذكرتها CNN كالتالي:
اعتدى بالقصف لذرائع مختلفة على كل من: اليمن، الصومال، العراق، سوريا، نيجيريا، فنزويلا وإيران، وهدد كلاً من: كندا لجعلها الولاية 51 من الولايات المتحدة، واحتلال المكسيك لوقف اللجوء غير الشرعي الى الولايات المتحدة ومكافحة التهريب، وبنما للسيطرة على القناة، وكولومبيا لضبط تهريب المخدرات الى الداخل الأميركي، وكوبا لأنها الرافضة تاريخياً أن تكون "جمهورية موز"، وغرينلاند بهدف ضمها إلى بلاده، والدنمارك كونها تمتلك حق السيادة على غرينلاند، ومؤخرًا سلطنة عُمان.

واختتمت CNN تقريرها بالقول، إن ترامب يستعيد لقب الرجل المجنون Mad Man من سلفه الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون، خلال تفاوض الأخير مع حكومة فيتنام قبل الانسحاب الأميركي الذليل، حيث أرسل نيكسون موفده هنري كيسنجر إلى فيتنام لترهيب الفيتناميين والقول لهم: "إن الرئيس رجل مجنون"، بهدف الضغط عليهم في المفاوضات.

ومن بين الدول الخمس عشرة التي اعتدى عليها ترامب أو هددها، نالت إيران شرف مواجهته، وكسر شوكة أساطيله وحاملات طائراته، وقد يذكر التاريخ أن دولة كانت محاصرة ظلماً لمدة 47 عاماً، استولدت من الظلم غضباً وانتصرت ذاتياً على أعتى دولة عرفها التاريخ المعاصر، وأغرقتها كما السفينة المتهالكة في مضيق هرمز.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل