مقالات مختارة
لم تعد الحروب الحديثة تُخاض فقط عبر الجيوش والأسلحة التقليدية، بل باتت تدور أيضًا داخل الفضاء الرقمي، حيث تحوّلت منصات التواصل الاجتماعي إلى أدوات تأثير سياسي وأمني ونفسي، تتجاوز في بعض الأحيان تأثير الميدان العسكري نفسه. ففي عالم يتدفق فيه الخبر خلال ثوانٍ، أصبحت السيطرة على الرواية الإعلامية جزءًا أساسيًا من إدارة الصراعات وصناعة النفوذ.
خلال السنوات الأخيرة، فرض الإعلام الرقمي نفسه لاعبًا رئيسيًا في تشكيل الرأي العام العالمي، بعدما نجحت المنصات الإلكترونية في كسر احتكار وسائل الإعلام التقليدية للمعلومة. فالمستخدم العادي لم يعد مجرد متلقٍّ للأخبار، بل أصبح منتجًا للمحتوى وناقلًا مباشرًا للأحداث، الأمر الذي غيّر طبيعة المشهد الإعلامي بصورة جذرية.
هذا التحول منح القوى السياسية والدول مساحة أوسع للتأثير في الجماهير، لكنه في الوقت نفسه فتح الباب أمام نوع جديد من الحروب يعتمد على التلاعب بالمعلومات، وصناعة السرديات الإعلامية، وتوجيه المزاج الشعبي عبر أدوات رقمية متطورة.
وفي خضم النزاعات الدولية والإقليمية، برزت المنصات الرقمية باعتبارها ساحة موازية للميدان العسكري. فكل طرف يسعى إلى فرض روايته الخاصة للأحداث، سواء عبر نشر الصور والمقاطع المصورة، أو عبر إدارة حملات إعلامية مكثفة تهدف إلى كسب التعاطف الشعبي وإضعاف صورة الخصم أمام الرأي العام المحلي والدولي.
وقد أظهرت تجارب الحروب الحديثة أن المعركة الإعلامية لم تعد تفصيلًا ثانويًا، بل أصبحت جزءًا من استراتيجية الصراع نفسها. ففي كثير من الأحيان، يُقاس نجاح الأطراف المتصارعة بقدرتها على التأثير في الإدراك الجماهيري أكثر من قدرتها على تحقيق التفوق الميداني فقط. ولهذا السبب، باتت الصورة المتداولة على المنصات الرقمية قادرة على صناعة رأي عام عالمي خلال ساعات قليلة.
إلى جانب ذلك، لعبت السرعة الهائلة في تداول المعلومات دورًا خطيرًا في تضخيم الحروب النفسية والإعلامية. فمع غياب التدقيق المهني أحيانًا، تنتشر الأخبار المضللة والشائعات بصورة واسعة، ما يجعل الفضاء الرقمي بيئة مثالية للتأثير النفسي والسياسي. كما أصبحت الجيوش الإلكترونية والحسابات الوهمية أدوات تستخدمها جهات سياسية مختلفة لإدارة حملات منظمة تستهدف توجيه النقاشات العامة، أو تشويه الخصوم، أو خلق حالة من الانقسام المجتمعي.
ولم يعد الأمر مقتصرًا على الأفراد أو الجماعات السياسية، بل دخلت الحكومات نفسها بقوة إلى هذا المجال، عبر تطوير أدوات إعلامية رقمية متقدمة، والاستثمار في تقنيات تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي لفهم اتجاهات الرأي العام والتأثير فيها. كما اتجهت بعض الدول إلى إنشاء وحدات متخصصة في الحرب السيبرانية والإعلام الرقمي، إدراكًا منها لأهمية الفضاء الإلكتروني في حماية الأمن القومي وتعزيز النفوذ السياسي.
وفي المقابل، تزايدت المخاوف العالمية من خطورة استخدام التكنولوجيا الحديثة في صناعة المحتوى المضلل، خصوصًا مع تطور تقنيات “التزييف العميق”، التي باتت قادرة على إنتاج صور ومقاطع فيديو يصعب التحقق من صحتها، وهو ما يطرح تحديات كبيرة أمام وسائل الإعلام والجمهور على حد سواء، في ظل صعوبة التمييز بين الحقيقة والمحتوى المفبرك.
كما انعكس هذا التحول الرقمي على طبيعة العلاقة بين السلطة والجمهور، إذ أصبحت الحكومات أكثر عرضة للضغط الشعبي الناتج عن الحملات الرقمية، بينما باتت المنصات الإلكترونية قادرة على تحريك الرأي العام والتأثير في القرارات السياسية، وحتى في نتائج الانتخابات والتحركات الاجتماعية.
وفي ظل هذا الواقع، لم يعد الإعلام الرقمي مجرد وسيلة لنقل الأخبار أو التعبير عن المواقف، بل تحوّل إلى أداة استراتيجية تُستخدم في إدارة الصراعات وإعادة رسم موازين القوة الدولية. فالحروب الحديثة لم تعد تعتمد فقط على السيطرة على الأرض، بل أيضًا على السيطرة على الوعي العام وصناعة الإدراك الجماهيري.
وبناءً على ذلك، يبدو أن العالم يتجه نحو مرحلة تصبح فيها المعارك الإعلامية والسيبرانية جزءًا ثابتًا من طبيعة الصراعات الدولية، خصوصًا مع التطور المتسارع للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. وفي هذا المشهد الجديد، ستكون القدرة على إدارة الرواية الإعلامية والتأثير الرقمي أحد أهم عناصر القوة والنفوذ في النظام الدولي المعاصر.
بتول قصير
إعلامية وكاتبة
قمّة بيجين.. بين إدارة الصراع لا حسمه وتكريس التعددية
انسحاب الامارات من أوبك ... تشعل مواجهة مع السعودية
ليلة الإذلال في هرمز، أمريكا تقصف لتسترضي وتتوسل التهدئة، وتل أبيب ترتجف في الملاجئ! ـ طلال نحلة