أقلام الثبات
يتداول الصينيون على مواقع التواصل بإعجاب، صورة الجندي الصيني الواقف متأهباً بثبات، فيما كانت الطائرة الرئاسية الأميركية العملاقة تستدير خلفه على بُعد أمتار للوقوف، دون أن يتأثر من هول ضجيجها ولا بمَن تحمل على متنها، وكذلك فعل الرئيس الصيني، الذي لم يتحرك خطوة واحدة نحو ترامب خلال وقوفه لاستقباله، فيما ذهب بعضهم الى السخرية من الضيف على منصة "بيليبيلي" بالقول: "بكين غير مُلزمة بتهيئة الأجواء لضيف ينقلب على كلمته بمجرد صعوده الطائرة".
الماكينة الإعلامية الأميركية أصيبت بالصدمة من فتور الاستقبال، سيما أنها حاولت تصوير زيارة ترامب إلى بكين كحدث كونيّ يُعيد رسم الخريطة العالمية، فيما كشف الشارع الرقمي في الصين مفاجأة من العيار الثقيل، من حيث البرودة في التعامل مع هذا الحدث، والسخرية اللاذعة في التفاعل لم تتوقعها أجهزة الاستخبارات الأميركية، التي شاءت إبهار الصينيين، بحيث هبطت في بكين قبل طائرة ترامب، 7 طائرات نقل عسكرية من طراز C-17 محملة بأكثر من 500 طن من المعدات، تشمل سيارة ترامب المصفحة "الوحش"، وحتى مياه الشرب واللوازم الشخصية، في مشهد وصفه مستخدمو منصة دوويِن (تيك توك الصين) بالحذر المبالغ فيه والعقلية الضيقة.
وبمقدار ما حاول ترامب استعراض الهيبة الأميركية، والتباهي بثمانية عشر رئيساً تنفيذياً لكبرى الشركات الأميركية رافقوه في زيارته، واعتقد وكأنه بهم سيشتري الصين، بالغ أيضاً في إبداء اغتباطه بهذه الزيارة، وكرر عبارات المجاملة في التمجيد بالصين ورئيسها، فيما بقي الرئيس الصيني جامداً لبقاً، وكأنه مبرمج على الطريقة الصينية، بحيث اكتفى بابتسامة وقورة لا تتواءم مع حماسة ترامب الذي اعتقد أن زيارته ستكون تاريخية، لكن الرئيس الصيني لم يسمح له أن يجعلها كذلك، لدرجة أن ترامب عند سؤاله عن أزمة تايوان مع الصين، صَمَت أمام الصحفيين ولم ينطق بحرفٍ واحد، وكأنه قد تم تحذيره بأن الكلام عن انفصال تايوان عن الصين الذي لطالما دعمته أميركا ممنوع نهائياً، وأن هذه المسألة صينية سيادية لا نقاش فيها.
ولم يكن البحث بالمسألة الإيرانية أفضل حالاً من قضية تايوان، سوى أن الصين ترفض "عسكرة" مضيق هرمز، وهي مع عودته ممراً ملاحياً دولياً حراً كما كان قبل العملية العسكرية الأميركية على إيران، بحيث لا تغلقه إيران ولا تحاصره أميركا، علماً أن الصين التي تستورد 90% من النفط الإيراني، لم تبلغ حتى الآن حدود الأزمة النفطية الناتجة عن إغلاق المضيق، أولاً لأن الناقلات مستمرة في نقل النفط الإيراني، أحياناً عبر ناقلات صينية تخرق الحصار الأميركي للمضيق، أو عبر "أسطول الظل" المتعارف عليه دولياً أنه تحايلٌ على قوانين الملاحة عبر سفن مُموهَّة الهوية والحمولة، وثانياً فإن الصين قادرة على تمرير النفط الإيراني عبر بحر قزوين، وثالثاً هناك خيار ثالث بدأ تطبيقه عبر استخدام السكك الحديدية لنقل النفط، ولو أن هذا الخيار مكلف وبطيء بعض الشيء.
والصين تدرك عدم جدوى الحصار البحري الأميركي على المدى الطويل لدولة بمساحة إيران، حدودها البحرية تناهز 2400 كلم، ولها حدود برية مع 7 دول تبلغ حوالي 5873 كلم، ما يُتيح لإيران التصدير والاستيراد عبر هذه الدول وهي: العراق، وتركيا، وأذربيجان، وأرمينيا، وتركمانستان، وأفغانستان وباكستان.
الأزمة الحقيقية التي يرزح تحتها ترامب لن يجد حلولاً لها في بكين، لأن هوى بكين إيراني، ومصالحها الجيو سياسية الآن هي عبر التموضع في إيران، ومع إيران، والوزير الإيراني عباس عراقشي كان قد غادر بكين مرتاحاً قبل ساعات من وصول ترامب.
وليست مشكلة ترامب أيضاً أن الصين زودت إيران بمنظومات دفاعية، ووضعت بتصرفها أقماراً صناعية ساهمت في تحديد أهداف القواعد الأميركية في الخليج ودمرتها إيران بالفعل، لأن ما مضى قد مضى، ولكن مشكلة ترامب أن الدول الخليجية، باستثناء الإمارات، ترى أن الصين هي القوة الوازنة عسكرياً والمؤهَّلة لأن تحل مكان أميركا كحليف يُعتمد عليه دفاعياً.
ومشكلة ترامب الأعظم، أن الصين التي أعلن رئيسها بوجه ترامب ترحيبه بالشراكة النَدِّية مع أميركا، خصوصاً في مجالات التبادل التجاري والتطوير التكنولوجي، لكن الصين لا تستطيع مداواة أمراض ترامب جميعها عبر "الطب الصيني" ووخز الإبر، لاسيما أنه زارها وأوضاعه منهارة، والعدوان على إيران "لم يُبقِ له صاحباً" سوى "إسرائيل" والإمارات، وأن حلفاء الزمن الجميل، تحديداً في الإتحاد الأوروبي وحلف الناتو، قد انفضوا عنه وعن الغوص في مغامراته، وقد تولَّت رئيسة الحكومة الإيطالية توجيه رسالة قاسية إليه وهو في الطائرة إلى بكين، فقد قالت ميلوني في تصريح تخيلي عنيف نقتطع منه جزئيات:
"العالم لا يُدار بعقلية راعي بقر، يحمل زراً نووياً ويظن أن التهديد لغة دبلوماسية...ما يفعله ترامب في الخليج مقامرة خطيرة قد تحرق المنطقة بالكامل من أجل مصالحه السياسية... إغلاق مضيق هرمز ليس لعبة فيديو أميركية...إيران دولة ذات سيادة ومن حقها الدفاع عن أمنها ومياهها ومصالحها القومية، وأوروبا لن تكون شاهد زور على محاولة جرّ العالم إلى حرب بسبب غرور شخصي...".
ختاماً، لا بد من سرد حادثة طريفة وغريبة حصلت مع وزير خارجية ترامب؛ ماركو روبيو، الذي رافقه في زيارته الى الصين، وهي ربما حادثة غير مسبوقة في تاريخ العلاقات الدبلوماسية.
عندما كان ماركو روبيو عضواً في مجلس الشيوخ الأميركي عام 2020، كان من أبرز منتقدي الصين في مسألة حقوق الإنسان، ويهاجمها بفظاظة على خلفية التنكيل بجماعة "الإيغور"، وفرضت عليه الصين يومذاك عقوبات على الطريقة الأميركية، بما فيها منعه من زيارة الصين.
عندما تم تعيينه وزيراً للخارجية في ولاية ترامب الثانية، توقف عن الهجوم على الصين، وبات يتحدث بدبلوماسية عن أزمة تايوان وضرورة حلها سلمياً، لكن اسمه لم يُحذف عن قائمة العقوبات، واضطرت القيادة الصينية بسبب مشاركته في الوفد الأميركي إلى تغيير اسمه على أنظمة معلوماتية الأمن القومي ليتسنى له الدخول إلى الصين كمرافق لترامب، وبدلاً من ذكر اسمه Marco Rubio كأحد أعضاء الوفد الأميركي، تم تغيير اسمه إلى Marco Lubio وأبقت الصين العقوبات على اسمه الحقيقي، وتعامل معه الرئيس الصيني ببرودة وجفاء عند المصافحة وأعاده إلى بلاده بإسم Lubio، وهذه إحدى إنجازات زيارة ترامب، الذي احتفظ باسمه على الأقل في طريق العودة.
لا لهدنةٍ تُشرِّع العدوان وتفصل أمن الجنوب عن أمن لبنان _ د. نسيب حطيط
بين بعبدا والبيت الأبيض: "النظام" اللبناني.. موظف برتبة شاكٍ في مجلس الأمن! ـ محمد دياب
حكومة لبنان تعلن "إسرائيل" حليفاً.. والمقاومة وإيران أعداءً! _ د. نسيب حطيط