خاص الثبات
من بعبدا إلى واشنطن: سلطة تركع… ووطن يُباع بالتقسيط السياسي .. من هنا نسأل:
أي دولة هذه التي ترى أطفال الجنوب يُقتلون، والقرى تُحرق، والسماء اللبنانية تُستباح صباح مساء، ثم تقرر أن تذهب إلى مجلس الأمن لتشتكي… إيران؟
أي سلطة هذه التي لم تهتز كرامتها أمام المجازر الإسرائيلية، لكنها انتفضت فجأة عندما تعلق الأمر بإرضاء الأميركي وتقديم أوراق حسن السلوك للغرب؟
ما جرى ليس مجرد خطوة دبلوماسية عابرة، بل فضيحة سياسية كاملة الأوصاف. فضيحة كشفت أن جزءاً من السلطة اللبنانية لم يعد يتصرف كدولة مستقلة، بل كإدارة محلية تعمل تحت السقف الأميركي، تتلقى الإشارات وتنفذ المطلوب منها بدقة الموظف المطيع.
العدو الصهيوني يدمر الجنوب، يحتل الأرض، يقتل المدنيين، ينتهك السيادة كل يوم، يضرب الطرقات والمنازل والسيارات، والعالم كله يشاهد. لكن السلطة التي يفترض أنها تمثل لبنان لم تجد ما يستحق الشكوى سوى إيران. هنا تسقط كل الأقنعة دفعة واحدة.
أي سيادة يتحدثون عنها؟
وأي كرامة وطنية بقيت في دولة تخاف من السفارات أكثر مما تخاف على شعبها؟
الحقيقة القاسية أن النظام اللبناني الرسمي لم يعد يرى نفسه إلا من خلال رضا واشنطن عنه. كل شيء بات يُقاس هناك: البيانات، التعيينات، القرارات، وحتى اللغة السياسية المستخدمة. كأن لبنان لم يعد بلداً مستقلاً، بل مكتباً إقليمياً صغيراً ينتظر التعليمات قبل أن يتنفس.
السلطة التي عجزت عن حماية أموال الناس، وعن حماية حدود البلاد، وعن حماية لقمة العيش، تحولت فجأة إلى “أسد دبلوماسي” عندما طُلب منها التصويب على إيران. أما تل أبيب، صاحبة القصف والدمار والاحتلال، فغالباً ما تُعامل في الخطاب الرسمي كأنها “تفصيل مزعج” يجب عدم إغضابه دولياً.
هذه ليست دبلوماسية!
هذا انبطاح سياسي مكتمل الأركان!
المؤلم أكثر أن بعض أركان السلطة يتصرفون وكأنهم في سباق لإثبات الولاء للمشروع الأميركي في المنطقة. كلما اشتد العدوان الإسرائيلي، ارتفع صوتهم ضد الداخل وضد كل من يرفض الخضوع للإملاءات الغربية. وكأن المطلوب من اللبناني أن ينسى الدم تحت الركام، ويصفق لمن يفاوض على حساب كرامته الوطنية.
لبنان اليوم لا يُدار بعقل الدولة، بل بعقل السمسرة السياسية. بلد يُستعمل كساحة رسائل إقليمية، فيما طبقته الحاكمة تتقن فقط فن البقاء في السلطة ولو على حساب السيادة نفسها.
وحين تصبح السفارة أقوى من المؤسسات، ويصبح رضا الخارج أهم من غضب الناس، تتحول الدولة إلى هيكل فارغ، مجرد واجهة رسمية تخفي خلفها نظاماً فاقداً للقرار والإرادة.
الأسوأ أن هذه السلطة لا تكتفي بالعجز، بل تحاول تسويق عجزها كأنه “حكمة”، وتبرير خضوعها كأنه “واقعية سياسية”. لكن الشعوب لا تخدعها الكلمات المنمقة. الناس ترى من يقف مع لبنان وقت الحصار والحرب، وترى أيضاً من يختبئ خلف البيانات الدبلوماسية الباردة بينما القرى تُدفن تحت النار.
ما يحدث اليوم ليس خلافاً سياسياً عادياً، بل معركة على معنى لبنان نفسه:
هل يكون بلداً يملك قراره مهما كانت الضغوط؟
أم يتحول إلى دولة تابعة، تحكمها حسابات السفارات وموازين الرضا الأميركي؟
بين الجنوب المحترق وبعبدا المرتبكة، صار واضحاً أن هناك سلطة تخشى غضب واشنطن أكثر مما تخشى سقوط الوطن.
وهنا الكارثة الحقيقية.
هل يكون الحل بنزع أسلحة الطوائف العسكرية والإدارية؟ _ د. نسيب حطيط
ترامب.. يدٌ لمصافحة المُرشد وأُخرى أرشدت المدمرات للهجوم.. لكن إيران بَتَرت الإثنتين _ أمين أبوراشد
محور المقاومة.. وحرب الدفاع المشتركة الشاملة _ د. نسيب حطيط
السياسة الأميركية تجاه لبنان: بين الضغط الميداني ومسارات التفاوض _ د. ليلى نقولا