مسؤولية الآباء في عصر الشاشات

الإثنين 05 كانون الثاني , 2026 12:39 توقيت بيروت إسـلاميــّـــات

الثبات-إسلاميات

  لم تعد الشاشات مجرّد أدوات ترفيه عابرة، بل صارت ضيفًا دائمًا في بيوتنا، تجلس مع أطفالنا أكثر مما نجلس، وتُربّي في ساعات ما قد نعجز عن بنائه في سنوات.

 وهنا تتعاظم مسؤولية الآباء، لا بوصفهم حُرّاسًا للأجهزة فقط، بل رعاةً للقلوب والعقول.

لقد حمّل الإسلام الوالدين أمانة التربية، فجعلها عبادة ومسؤولية، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ وقاية تبدأ من توجيه الفكر قبل كفّ اليد، ومن بناء الوعي قبل المنع والمصادرة.

وقال النبي ﷺ: ((كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته))  فالمسؤولية هنا شاملة: مسؤولية قدوة، ومتابعة، وحكمة.

 في عصر الشاشات، لا يكفي أن نمنع، لأن المنع بلا بديل يولّد التمرّد، ولا أن نُطلق بلا ضابط، لأن الإطلاق بلا وعي يفتح أبوابًا لا تُغلق.  المطلوب تربية ذكية تُحسن الاختيار، وتزرع في الطفل ميزانًا داخليًا يفرّق به بين النافع والضار.

 فالشاشة التي قد تكون نافذة علم ومعرفة، قد تنقلب بابًا للفراغ القيمي والتشويه الأخلاقي إذا غاب التوجيه.

ومن أعظم التقصير أن يُسلّم الأبوان أبناءهما للشاشات تعويضًا عن غياب الحوار والاحتواء.

 فالطفل الذي لا يجد أذنًا تسمع، وقلبًا يفهم، سيبحث عن بديل، وقد يجده في عالم افتراضي لا يرحم.  

وقد نبّه القرآن إلى أثر الصحبة والتأثير غير المباشر بقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ واليوم لم تعد الصحبة أشخاصًا فقط، بل محتوى يُشاهَد ويُتابَع ويُقلَّد.

إن من مسؤولية الآباء أن يكونوا قدوة رقمية قبل أن يكونوا موجّهين؛ فلا ينهون عن الإفراط وهم أسرى هواتفهم، ولا يطالبون بالانضباط وهم غائبون  فالقدوة الصامتة أبلغ من ألف موعظة .

كما أن زرع مراقبة الله في قلب الطفل هو الحصن الحقيقي، قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ فإذا استقر هذا المعنى، استقام السلوك ولو غابت الرقابة.  

خلاصة الأمر: الشاشات اختبار تربوي جديد، لا يُواجه بالخوف ولا بالتساهل، بل بالوعي، والحوار، وبناء الإيمان.

فمن أحسن التربية في زمن الفتن، كان له أجر المجاهد في الثغور، لأنه يحمي أعزّ ما يملك: إنسان الغد.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل