أقلام الثبات
بعد سلسلة الانتصارات "المؤقتة" التي حقّقها التحالف الأمريكي - "الإسرائيلي" ضد حركات ودول المقاومة، وفي مقدمتها الجائزة الكبرى "إسقاط سوريا"، يتهيأ هذا التحالف لخوض معركته الأخيرة ضد إيران والمحور المقاوم، بعد مرور أكثر من 40 عامًا على انتصار الثورة الإسلامية التي أخرجت أمريكا و"إسرائيل" وأعادت فلسطين إلى الواجهة.
اختار التحالف الأمريكي - "الإسرائيلي" الذكرى انتصار الثورة السابعة والأربعين، لإسقاط النظام بنفس الطريقة التي أسقطت الشاه، وهي "الثورة الشعبية"، مع فارق جوهريً بينهما؛ فالثورة الشعبية التي أطاحت بالشاه كانت حركة وطنية داخلية غير مرتبطة بالخارج، مدفوعة بعقيدة دينية وهدف محدد هو إسقاط الشاه ونصرة الشعب المُستضعف، وفي المقابل تهدف الاحتجاجات الشعبية التي تُسير من الخارج إلى إسقاط النظام ليس من أجل الشعب الإيراني ورفاهيته، بل تنفيذاً لأوامر خارجية أمريكية و"إسرائيلية"، لإشغال النظام وتوجيه قوته نحو الشارع، لفتح ثغرات أمام هجوم أمريكي - "إسرائيلي" مُحتمل، خصوصاً بعدما استوعبت إيران العدوان الأول في حزيران الماضي.
صحيحٌ أن الوضع الاقتصادي هو الدافع أو الغطاء الظاهري لهذه التحركات، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في التضليل بتحديد المسؤوليات، فالمعارضون يحمّلون المسؤولية للحكومة الإيرانية والمسؤولين دون توجيه الاتهام إلى المسؤول الأول، وهي أمريكا، التي صادرت أموال إيران ومنعتها من بيع نفطها، وفرضت عليها جميع أنواع الحصار ، بعدما استنزفتها بحربٍ استمرت عشر سنوات، وكلّفت الرئيس العراقي صدام حسين بشنّها، وألزمت العرب بتمويلها، مما أرهق إيران بشريًا وماليًا، وبدلاً من أن يتظاهر الناس للمطالبة برفع الحصار ودعم الحكومة، فإنهم يساعدون أمريكا وينفذون مطالبها بالانقضاض على الثورة، مع عدم إغفال بعض أخطاء الحكومة والمسؤولين التي اعترف بها رئيس الجمهورية وغيره من المسؤولين وأهمها: إذا كانت المشاكل قابلة للمعالجة، فلماذا تأخّرتم؟
تتفوّق الولايات المتحدة وحلفاؤها في إدارة حروبهم، وتحريك الشعوب ضد أنظمتها، وقلب الحقائق والتضليل، فكما استطاعت حشد الحكومة اللبنانية والمسؤولين والأحزاب والطوائف ضد المقاومة، وتحميلها مسؤولية الدمار والقتل الذي ارتكبه العدو "الإسرائيلي"، واعتبار المقاومة سبباً وليست رد فعل على العدوان "الإسرائيلي"، حتى تحوّل "المقاوم - الضحية" إلى "جلاّد"، كذلك في إيران أصبح الشعب والحكومة هم الجلاد والمسؤولون عن الفقر بدلاً من أمريكا!
إن ما يمكّن أمريكا من تزوير الحقائق وتضليل الرأي العام في تحديد المسؤوليات يعتمد على عاملين أساسيين:
- قوة أمريكا وسيطرتها على وسائل الإعلام والمؤسسات الدولية والمالية.
- ضعف إدارة قوى المقاومة؛ حركاتٍ ودول، للمواجهة الإعلامية والقانونية، نتيجة الحصار الإعلامي، واستبعاد الكفاءات القادرة على خوض هذه الحرب، مما يزيد ضعفها.
ما يجري في إيران فيه قليلٌ من الحق وكثير من الباطل، فالهدف الحقيقي ليس تحسين الوضع المعيشي، بل إسقاط النظام عقائدياً وسياسياً، وقد بدأ بانتفاضة "خلع الحجاب" التي لا علاقة لها بالاقتصاد، أو خلع "عمائم" رجال الدين، أو مهاجمة المساجد، أو إهانة الرموز الوطنية التي كان لها دور في المشروع المقاوم، فالحراك الشعبي الداخلي يستهدف العقيدة والمشروع الإيراني المقاوم تحت ستار المطالب المعيشية والاقتصادية.
لقد ظهرت نتائج اجتماع الثنائي "ترامب ونتنياهو" في حدثين محوريين في الشرق الأوسط:
- الصراع الإماراتي - السعودي (سواء كان حقيقياً أم متصنعاً) لتثبيت تقسيم اليمن وتجزئته، والاعتراف بـ"أرض الصومال".
- الحراك الشعبي الإيراني ضد النظام، والذي يمثل المرحلة الأولى من الحرب الأمريكية - "الإسرائيلية" على إيران، التي تريدها أمريكا "الضربة القاضية" لقطع رأس محور المقاومة واجتثاث المشروع المقاوم العربي والإسلامي، بعدما نجحت أمريكا و"إسرائيل" في توجيه ضربات قاسية للمقاومة في فلسطين ولبنان وسوريا.
إن الحرب على إيران هي الحرب المركزية والشاملة على "الهلال الشيعي" المزعوم، وعلى المشروع الشيعي العالمي المقاوم، والتي سيتبعها، في حال انتصار أمريكا و"إسرائيل"، الحرب على "العقيدة الشيعية" باعتبارها أحد معاقل الإسلام الأصيل المقاوم والرافض لـ"الديانة الإبراهيمية"، والعقبة المتبقية أمام المشروع الأمريكي في المنطقة.
تصدّر "المشروع المقاوم الشيعي" لعقود ٍالمشهد السياسي للمنطقة، وفرض نفسه "قطباً" أساسيا في تقرير مصيرها، منذ انتصار الثورة الإسلامية وسقوط نظام صدام حسين، وتألُّق المقاومة وانتصارها في لبنان، وولادة المقاومة في اليمن، أما اليوم، فيواجه هذا المشروع خطر التصفية على الصعيدين السياسي والعسكري، والأخطر من ذلك على مستوى العقيدة والوجود والهوية، وستكون الحرب الأمريكية - "الإسرائيلية" ضد الشيعة آخر حروب المنطقة، لإلغاء اتفاقية "سايكس - بيكو" واستبدالها باتفاقية "ترامب - نتنياهو"، بهدف إعادة استعمار المنطقة ونشر "الديانة الإبراهيمية"... دخلنا المرحلة الأخطر من الحرب التي لم تنته.. ولن تنتهي.
أميركا... والمعركة الأخيرة في إيران _ د. نسيب حطيط
الجمعة 02 كانون الثاني , 2026 01:32 توقيت بيروت
أقلام الثبات
نحن أسرى الزمن... بين الولادة والأجل ــ د. نسيب حطيط
اليمن الشجاع... وصراع الغزاة _ د. نسيب حطيط
إنهاء مشروع أحمد الشرع قبل إنهاء سوريا _ أمين أبوراشد