انسحاب الامارات من أوبك ... تشعل مواجهة مع السعودية

الإثنين 11 أيار , 2026 06:54 توقيت بيروت مقالات مختارة

مقالات مختارة

خطوة انسحاب الإمارات من أوبك ليست مجرد قرار نفطي، بل هي إشارة واضحة على إعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية للمنطقة، خاصة في ظل الحرب الحالية على إيران التي كشفت عن "تململ" حقيقي في التحالفات التقليدية.

فبينما تحافظ السعودية على توازن دقيق مع موسكو عبر "أوبك+"، فإن انسحاب الإمارات يحررها من هذا المحور، ما يجعلها "أكثر جاذبية" للأوروبيين الذين يبحثون عن بدائل للنفط الروسي والارتباطات المتعلقة به، مما يعزز تحالفاتها مع القوى الأوروبية الكبرى (فرنسا وبريطانيا).

نحن أمام مشهد جديد تخرج فيه الإمارات من عباءة "الإجماع الخليجي والنفطي" لتبني تحالفات مبنية على "البرجماتية الصرفة", فهي تراهن على أن القوة الاقتصادية المستقلة ستجلب لها حلفاء يحتاجون لنفطها، بينما تراهن السعودية على أن "وحدة الصف" هي الضمانة الوحيدة للاستقرار، الامر الذي يمنحالامارات نظرياً الحق في إنتاج 5 ملايين برميل يومياً، ولكن طالما أن الحرب قائمة ومضيق هرمز مغلق أو تحت التهديد، فإن هذا الرقم يظل "حبراً على ورق", لا قيمة لزيادة الإنتاج إذا لم تكن هناك طرق آمنة للوصول إلى المشترين في آسيا وأوروبا, فالحرب الحالية جعلت الصراع يتحول من "من ينتج أكثر؟ إلى "من يملك طريقاً بديلاً؟"

لذا فالإمارات تراهن بقوة على خط أنابيب "حبشان – الفجيرة"، الذي ينقل النفط إلى ميناء الفجيرة المطل على بحر العرب (خارج مضيق هرمز), قدرة هذا الخط حالياً قرابة 1.5 مليون برميل يومياً، وهو ما يفسر شعور الإمارات بـ "قوة نسبية" تسمح لها بالتمرد على أوبك، لكنه لا يكفي لاستيعاب كامل إنتاجها الطموح, فهي تريد بيع أكبر كمية ممكنة بأسعار الحرب المرتفعة (التي تجاوزت 110 دولارات) لتأمين خزينتها، دون انتظار إذن من أوبك التي تقيد بنسبة انتاج وبسعر ثابت, وهذا يعتمد على تأمين طرق بديلة ومستقرة عبر الفجيرة, بينما يظل جيرانها عالقين في معضلة المضيق، فستصبح هي "المزود الأكثر أماناً" في المنطقة، مما يمنحها نفوذاً سياسياً هائلاً يتجاوز نفوذ المنظمات التقليدية. 

والسؤال الأهم هل تهدف الامارات الى التحرر في الاقتصاد النفطي ام الى مواجهة اقتصادية مع السعودية، بصفتها "الأخالأكبر" خليجياً والتي تعيش معها مرحلة من التوتر ظهرت في عدة محطات، كما اثبتت بعض الاحداث تورط الامارات في مشاريع تهدد الامن القومي السعودي وتهدد مكانتها في المنطقة.

السعودية تحاول منذ فترة اتباع سياسة مرنة توازن بين الحفاظ على تحالفاتها مع واشنطن وموسكو (عبر أوبك+)، وبين محاولة تهدئة الصراع مع إيران لتأمين مشاريعها الاقتصادية والتنموية, بينما الامارات تقترب أكثر من محور "ترامب" والولايات المتحدة، وتُظهر السعودية وكأنها "وحيدة" في مواجهة الضغوط الدولية لخفض الأسعار, هذا يضع الرياض في موقف حرج, إما اللحاق بالنهج الإماراتي الأكثر حدية ووضوحاً مع الغرب ضد إيران، أو الاستمرار في سياسة "المنطقة الوسطى" التي أصبحت مكلفة سياسياً, حيث تفضل السعودية دائماً قيادة المنطقة عبر "الإجماع" والعمل الصامت. 

إن انسحاب الإمارات سيحدث "ضجيج جيوسياسي" متعمد ينهي هذه القيادة الهادئة، هو يضع السعودية في مواجهة مباشرة مع الأسواق ومع حلفائها، ويجبرها على اتخاذ قرارات "حدية" (إما حرب أسعار أو حرب عسكرية) لإنهاء حالة التذبذب التي خلقها القرار الإماراتي.

في ظل انشغال السعودية بمحاولة احتواء آثار الحرب على حدودها وتأمين منشآتها، جاء الطعن في "أوبك" ليزيد الضغوط الإضافيةعلى المملكة، الإمارات تدرك أن السعودية لا تريد "جبهة خلاف" داخلية مع جيرانها الآن، وبالتالي تستخدم هذا الضغط لانتزاع تنازلات سعودية في ملفات إقليمية تتطلب مواقف أكثر تشدداً تجاه طهران، فهي تستخدم "ورقة النفط" لجرّ السعودية إلى "مربع الصقور", هي لم تعد تؤمن بجدوى السياسة المرنة في ظل وجود تهديد وجودي للملاحة في الخليج (حسب نظرتها)، وترى أن هز استقرار "أوبك" هو الثمن الذي يجب أن تدفعه الرياض لإعادة تقييم استراتيجيتها الشاملة تجاه إيران، الامر الذي يخدم مصلحة الكيان الصهيوني في توريط الخليج بحرب مع إيران، تبعد ولو نسبياً الصواريخ عن مدنه، وتزيد في حدية الشرخ المذهبي الإسلامي لتدخل المنطقة في دوامة صراع لا تنتهي.

المسألة تجاوزت مجرد "خلاف نفطي" لتصبح صراعاً على شرعية القيادة الإقليمية, السعودية تدرك تماماً أن التحركات الإماراتية المتلاحقة (من اليمن إلى السودان والآن أوبك) ليست مجرد صدفة، بل هي محاولة هندسة لواقع جديد يتحدى "الهيمنة التقليدية" للرياض, حيث ترى أن الإمارات تحاول "الهروب من التزاماتها" داخل المنظمات الجماعية (أوبك و مجلس التعاون) لتفعل ما تشاء, بينما تتبنى الإمارات عقيدة تقوم على أن "القيادة" لا تأتي بالمساحات الجغرافية بل بـ "فرض الأمر الواقع", فالخروج من أوبك كـ "إعلان استقلال" بالنسبة لأبو ظبي، البقاء تحت سقف أوبك يعني التبعية للقرار السعودي والانسحاب هو فعل سيادي يقول إن الإمارات أصبحت "قطباً" موازياً وليس مجرد شريك أصغر.

هل نصل لمرحلة "كسر العظم" داخل الاقتصاد الخليجي؟

السعودية تمتلك أسلحة اقتصادية فعالة لم تستخدمها بعد بشكل كامل، كسلاح السوق، إذا قررت السعودية "إغراق السوق" لإخضاع الإمارات (كما فعلت مع روسيا سابقاً)، فقد تضطر الإمارات للتراجع، بالإضافة الى العزل التجاري بتشديد قوانين الاستيراد والجمارك والمقار الإقليمية للشركات هو حرب اقتصادية "صامتة" تستهدف تجفيف نفوذ دبي الاقتصادي لصالح الرياض.

السعودية لن "تتقبل" هذه الخطوة ببساطة، بل ستتعامل معها كـتهديد وجودي لنفوذها، التنافس لم يعد على "من يبيع نفطاً أكثر"، بل على "من يملك مفاتيح المنطقة".

بشكل عام تطورات المنطقة بعد العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران وما نتج عنه، من تصدي وثبات عسكري وسياسي للجمهورية الإسلامية، يعيد رسم خارطة تحالفات المنطقة من جديد، والثابت الأساسي للأيام القادمة، ان النفوذ والهيمنة الامريكية الصهيونية ستنتهي بهزيمة حتمية, وستخرج من المنطقة تجر ذيول خيبتها.

بقلم أ. حسين فريجة


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل