مقالات مختارة
يحلل المفكر والفيلسوف الكندي آلان دونو في كتابه الأشهر "نظام التفاهة"، كيف أصبح "التافهون" يمسكون بزمام الأمور ويهيمنون على مؤسسات السياسة، والإعلام، والاقتصاد، والتعليم.
في هذا الكتاب، يجول بنا آلان دونو، في دراسة أهم ظاهرة معاصرة بدت مسيطرة تمامًا على العالم، وهي حُكمُ أهل الرداءة والتفاهة وتصدّرهم. وعبر مقدمة وأربعة فصول، يقدم لنا العُدّة النظرية المرتبطة بملامح هذا النظام وتجلياته، والنماذج الواقعية التي تجسدت فيه رداءة هذا النسق.
ويوضح الكتاب كيف يُكافأ الشخص المطيع والمُسَوَّق، بينما يُهمش أصحاب الكفاءة الحقيقية؛ مما يؤدي إلى صعود الرداءة لتصبح نظاماً مهيمناً.
وفي مراجعته لكتاب "نظام التفاهة" يوضح الدكتور عبد الكريم عنيات أستاذ الفلسفة الأخلاقية في جامعات الجزائر، المهتمّ بقضايا الفلسفة اليونانية، أنه "في نقمة التخصص قد يكون غريبًا أن يتم استثمار الحد الأقصى لذكاء الإنسان من أجل ترسيخ التفاهة La médiocrité التي أصبحت تتفشى كالأوبئة، وتنتقل من فرد إلى آخر ومن منطقة إلى أخرى، فصار الكل ينتجها ويقع فريسة لها، وذلك في إطار حلقة مغلقة".
ويضيف الدكتور عبد الكريم عنيات "ولم تعد الرداءة والتفاهة في حاجة إلى شرعية بيننا، بل نحن من أصبح يطلب منها أن تمنحنا الشرعية كي نستفيد من وضعها. أصبحت الرداءة وضعًا يشكّلنا جميعًا بلا استثناء، وهو الذي وقعنا فيه جميعًا من غير تفرقة بين عالم وجاهل أو خيّر وشرير، وفي الوقت الذي وقعنا فيها أصبحنا نشترك جميعًا في إعادة إنتاجها بصورة آلية. نحن ننتج التفاهة التي أنتجتنا سلفًا وتُنتجنا دومًا. فهل يمكن العثور على منبع الرداءة الأول؟ وما الوريد الملائم لحقن المصل المضاد للرداءة؟".
ومن المهم القول هنا أن اللافت في هذه النظرية وهذا السياق وهذا الفكر عموماً أنه يجد له قياساً في كل الشرائع أو غالبيتها بما يؤكد حاضراً ومستقبلاً وبالطبع عبر سنوات وعقود غابرة أن ما نحن عليه اليوم هو نتاج تلك الرداءة التي باتت وضعًا يشكّلنا ونشترك جميعنا أو غالبيتنا في إعادة إنتاجها بصورة آلية، وهو ما مكن تلك الطغمة الفاسدة في بلداننا من الوصول إلى سدة السلطة والتحكم في مقدرات وسياسة ومصائر شعوبها بعد أن صارت واقعاً ما فتئ يسعى لأن يتجذر في الوعي الجمعي.
إن أوضح تجليات الرداءة والتفاهة والعبث السياسي تتمظهر في واقعنا الحاضر من خلال ما كان يعرف بالصراع العربي الإسرائيلي والذي تم تقزيمه بعد عقود مما يسمى بالسلام إلى الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وبعد سنوات من ذلك الانحدار والتراجع إلى القضية أو المسألة الفلسطينية.
ويمكننا الفول هنا أنه ربما لم يحلم حتى عتاة الصهاينة الذين نظّروا لـ”إسرائيل الكبرى” من النيل إلى الفرات بما وصلوا إليه اليوم، فمسار الانحدار العربي المتسارع أسقط ما تبقى من أقنعة في وحل هذا التراجع والتخاذل، ولربما تجاوز العرب مرحلة “التطبيع” وتثبيت ما ادعوا بأنه “إرساء علاقات طبيعية مع إسرائيل” على اعتبار أن ذلك يخدم ويدعم الاستقرار في الدول العربية لاسيما "دول الطوق"، وبشكل أدق يمكن الفول وبكل ثقة بأنه يدعم استمرار هذه الطغمة الفاسدة في التحكم بمصائر شعوبها والسيطرة على مقدرات بلدانها.
لقد بات هؤلاء "الفاسدون" والمتآمرون على شعوبهم يشاركون في مخططات "كي الوعي الجمعي" بل ذهبوا بعيداً جداً في ذلك باعتبار أن "إسرائيل” “جزء من المنطقة”!، بمعنى أنها ليست جزءًا دخيلاً لاسيما على المحيط الذي تعيش فيه أو بالأحرى تحتله أو أجزاء منه، بل هي “جزء أصيل منه”.وتسارعتاتصالات بعض الأنظمة العربية مع كيان الاحتلال – التي يُعتقد أنها بدأت بشكل سري في التسعينيات من القرن الماضي -، في السنوات الأخيرة، وصولاً إلى اتفاق التطبيع الذي أعلنت عنه الإدارة الأمريكية في 11 سبتمبر/ أيلول 2020 والتوجه لإقامة “علاقات دبلوماسية”! كاملة بين المنامة و”تل أبيب”.ولمتكن البحرين معزولة عن المحيط العربي المتخاذل، لتكرّ بعدها سبحة التآمر العربي الرسمي، بإعلان بدء تطبيع العلاقات مع السودان والمغرب وعمان ودول أخرى، بل وحتى السعودية التي كانت أكثر تحفظاً ـ في العلن ـ بالكشف عن الاتصالات السرية التي كانت قائمة مع دولة الاحتلال، والتي كشفت عنها الأخيرة قبل أكثر من ستة أعوام، ووصولاً إلى تطبيع كامل للعلاقات بين الإمارات والكيان، بتبادل السفراء، توجتها الإمارات بافتتاح “سفارة إسرائيل”! في إمارة أبوظبي.
واليوم يراد للبنان المقاوم الحافل قاموسه وتاريخه بالبطولات والانتصارات والعزة والكرامة أن ينحدر إلى هذا المسار من الخضوع والتنازل والسير في ركب التطبيع مع كيان الاحتلال، في تكرار لتجربة 17 أيار/مايو 1983 إبان الاجتياح الإسرائيلي للبنان، تلك التجربة الفاشلة التي تم إسقاطها بكل ثبات وعزيمة وإصرار عبر التأكيد على هوية لبنان العروبة والمقاومة.
وهنا نتساءل هل أن مسار الإنحدار العربي الرسمي بدأ بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد بين مصر والكيان في 17 أيلول/سبتمبر 1978، واتفاقية وادي عربة التي تم توقيعها بين الأردن والكيان في 26 تشرين الأول/أكتوبر 1994، وما بينهما اتفاقيات أوسلو التي تم توقيعها بين منظمة التحرير الفلسطينية والكيان بين عامي 1993 و1995، أم أن هذا المسار من الانحدار حصل حتى قبل ذلك بأعوام أو عقود كما تشير بعض المصادر أو التحقيقات التي كشفت عن تقارب ولقاءات وتبادل معلومات وخبرات بين بعض الأنظمة العربية وكيان الاحتلال وأنها سبقت توقيع تلك الاتفاقيات بعقود!
إن “التطبيع” العربي بل التخاذل والتآمر العربي مع كيان الاحتلال مرّ بعدة مراحل، من مرحلة السرية إلى مرحلة التدجين ومحاولة كي الوعي الجمعي وصولاً إلى مرحلة القبول، وليس انتهاءً بمرحلة العلنية.
إن هذا الإسقاط المخادع المخالف والنقيض للأصل، يحمل في طياته خيانة للموروث الوطني والديني والتاريخي والسياسي والأخلاقي للأمة العربية والإسلامية.
لقد وصل الفجور العربي الرسمي إلى محاولة تأصيل الغريب وتغريب الأصيل، فتلك الأنظمة العربية الرسمية الرجعية التي قادت مسار التطبيع ولاتزال تم إيهامها بأن الحل السحري لكل مشاكلها هو عند كيان الاحتلال، وأن الغرب سيرضى عنهم إذا ما أقاموا “علاقات طبيعية” مع الاحتلال، وأن “إسرائيل” ليست عدواً للأمتين العربية والإسلامية!
لقد آن الأوان لإزالة الأقنعة لنرى الوجه الحقيقي لما يحصل في عالمنا العربي، وعلينا ورغم كل الصعاب والمحن والمآسي والمخاطر التي تحيق بنا التأكيد بأن الاحتلال وأعوانه من المطبعين العرب لن يتمكنوا يوماً من الأيام من تزييف وقلب الحقائق التاريخية أو كي الوعي العربي الجمعي، وستبقى “إسرائيل” هي العدو الأوحد والأول والأخير للموروث العربي الشعبي الأصيل، وستبقى فلسطين وقضايا التحرر العربي هي القضية الأولى لدى الشعوب العربية والإسلامية شاء من شاء وأبى من أبى، وستبقى المقاومة يدها على الزناد في كل الساحات والميادين تذيق العدو بأس بعض ما لديها.
بقلم: سامر العريفه
الإعلام الرقمي في زمن الحروب الحديثة: كيف تحوّلت المنصات الإلكترونية إلى ساحات صراع سياسي ونفسي؟
قمّة بيجين.. بين إدارة الصراع لا حسمه وتكريس التعددية
انسحاب الامارات من أوبك ... تشعل مواجهة مع السعودية