أقلام الثبات
عند اندلاع المواجهة الواسعة بين "إسرائيل" وحزب الله في بداية آذار/ مارس 2026، جرى تسويق العملية عسكريًا وسياسيًا لدى "الإسرائيليين" باعتبارها حربًا ذات أهداف واضحة وقابلة للتحقق، على رأسها "نزع سلاح حزب الله"، أو على الأقل إخراجه من جنوب نهر الليطاني كلياً، وفرض واقع أمني جديد يحقق الأمن لسكان مستوطنات شمال فلسطين المحتلة.
على المستوى السياسي، تحدثت الحكومة "الإسرائيلية" عن ضرورة "إزالة التهديد عن الجليل"، وربطت ذلك صراحةً بتفكيك القدرات العسكرية لحزب الله. جرى استخدام مصطلحات مثل نزع السلاح، تغيير الواقع الاستراتيجي، حسم الجبهة الشمالية، عدم عودة اللبنانيين، خلق مناطق عازلة.
ورغم الخطاب السياسي والعسكري العالي السقف، بدأت منذ نيسان الماضي تظهر في الصحافة العبرية إشارات إلى فجوة بين ما يُقال سياسيًا وما يُخطط له عسكريًا، مع التركيز على خيار "المنطقة الأمنية" كهدف عملي، وليس نزع سلاح حزب الله كهدف قابل للتنفيذ.
غير أن المقارنة بين الخطاب "الإسرائيلي" في بداية الحرب، وبين التصريحات التي صدرت مؤخراً، ولا سيما تلك الصادرة عن رئيس الأركان إيال زامير (قال إن الجيش لم يكلّف بنزع سلاح حزب الله) تكشف تراجعًا بنيويًا في تعريف الأهداف سببه المفاجآت في الميدان.
هذا التراجع يبدو انعكاساً مباشراً لحدود القوة العسكرية، ولعجز جيش الاحتلال عن فرض وقائع ميدانية مستقرة في جنوب لبنان في مواجهة الحزب الذي طوّر أدواته القتالية وفرض معادلات استنزاف غير متوقعة. وبالرغم من قدرته على التوغل، إلا أنه في الحرب غير المتماثلة، تقاس النتائج بقدرة الجيش على السيطرة بدون أكلاف، وليس في التوغل بحد ذاته. مع العلم أن "الإسرائيلي" يقوم بالتقاط الصور لجنوده في جنوب لبنان، كجزء من حرب نفسية تهدف الى إحباط اللبنانيين.
ويمكن تحديد جملة من الأسباب الرئيسية لهذا التراجع في الأهداف:
١- تغير طبيعة ساحة المعركة: مسيّرات حزب الله من نوع FPV، ولا سيما تلك الموجّهة بالألياف الضوئية، فرضت واقعًا جديدًا. هذه المسيّرات حيّدت جزءًا مهمًا من التفوق "الإسرائيلي" في الحرب الإلكترونية، ورفعت كلفة التمركز البرّي، ومعها سيتحوّل الجنوب اللبناني الى مستنقع لجيش الاحتلال.
٢- حدود القدرة البشرية: التحذيرات المتكررة التي أطلقها رئيس أركان جيش الاحتلال، إيال زامير، حول إنهاك قوات الاحتياط تبدو عاملاً مهماً في إعادة تقييم الأهداف.
٣- الأثمان السياسية والعسكرية: لا يمكن "لإسرائيل" أن تخوض حرب استنزاف طويلة على جبهة لبنان دون أثمان داخلية متزايدة، خصوصاً على أبواب انتخابات، حيث تستغل المعارضة عدم قدرة الجيش على تحقيق الأهداف للتصويب على بنيامين نتنياهو وحكومته.
أما النتائج المحتملة فتبدو كما يلي:
1. الدخول في حرب استنزاف حيث تستمر المواجهة كصراع منخفض الوتيرة نسبيًا، لكنه عالي الكلفة، بلا أفق سياسي واضح، وهذا ما لن يتحمله "الإسرائيلي" على المدى الطويل.
2. نفاذ الصبر الأميركي: الفجوة بين ما قيل في آذار وما يُقال في أيار ستضعف الثقة الداخلية والخارجية (الأميركية) بقدرة "إسرائيل" على تحويل القوة العسكرية إلى إنجاز سياسي. هذا سيؤدي في النهاية الى تراجع الدعم الأميركي للحروب الإسرائيلية التي لا نهاية لها (خصوصاً مع اقتراب الانتخابات الأميركية النصفية).
3. تعزيز موقع لبنان التفاوضي: بمجرد تراجع الأهداف الأساسية عن نزع سلاح الحزب هو إنجاز استراتيجي للبنان. تحت وطأة الأكلاف في الميدان وعدم القدرة على تثبيت الاحتلال، سيضطر "الإسرائيلي" في النهاية الى التراجع والانسحاب من لبنان.
استضافة ترامب لكأس العالم: فاشل في منطقة الجزاء.. وعاجز عن حراسة المرمى _ أمين أبوراشد
لتنظيم إدارة الحرب... لضمان الصمود _ د. نسيب حطيط
تغيير مفاجئ وطارئ في الموقف التفاوضي للسلطة اللبنانية... ما الذي طرأ؟ _ حسان الحسن