الثبات
التقدير الاستراتيجي والجيوسياسي لصباح الجمعة 8 أيار 2026:
نقف هذا الصباح أمام مشهد عبثي يجسد ذروة التخبط الاستراتيجي للإدارة الأمريكية. في ليلة واحدة، انتقلت واشنطن من التهديد بحرق إيران إلى قصف استرضائي أعمى في قشم وبندر عباس، فقط لكي ترضي حلفاءها في السعودية والكويت وتستعيد حق استخدام قواعدهم الجوية. لكن الرد الإيراني كان مزلزلا وأشبه بإعادة تصوير تاريخية لمعركة بحرية شاملة؛ حيث واجهت المدمرات الأمريكية "يو إس إس تروكستون" و"يو إس إس ماسون" جحيما من الصواريخ والمسيرات والزوارق السريعة، مما أجبرها على الانسحاب السريع من مضيق هرمز.
وفي لبنان، لا تقل الصورة قتامة بالنسبة للكيان الإسرائيلي، الذي يعيش حالة شلل ورعب بعد اغتيال قائد قوة الرضوان، متوقعا ردا حتميا، بينما تواصل المقاومة حصد آلياته وجنوده.
سأفكك لك أبعاد هذه الليلة الدراماتيكية، من خديعة "قصف الاسترضاء" إلى فضيحة الهروب من هرمز، وصولا لتساقط جدار الردع الإسرائيلي:
أولا: "قصف الاسترضاء" واستجداء القواعد الخليجية
القصة الأهم هذا الصباح ليست في القصف بحد ذاته، بل في دافعه. التقرير يؤكد أن الولايات المتحدة لم تقصف الموانئ الإيرانية ضمن رؤية عسكرية لإنهاء الحرب، بل كـ "عربون مصالحة" للسعودية والكويت. هاتان الدولتان، غضبتا من تقليل البنتاغون لهجوم إيران على الفجيرة، وقامتا بسحب الإذن لأمريكا باستخدام مجالهما الجوي وقواعدهما لعملية "مشروع الحرية".
ترامب، الذي وجد نفسه معزولا ومقيد الأيدي، اختار قصف قشم وبندر عباس ليرضي الحلفاء الخليجيين ويستعيد قواعدهم، وهو ما يثبت (كما ذكرت واشنطن بوست) أن الكويت والبحرين سمحتا باستخدام قواعدهما ومنظومات "هيمارس". هذا التورط الخليجي يفسر سبب تعرض هذه الدول لأعنف الهجمات، ويعكس أن واشنطن تشتري ولاء حلفائها بدمائهم وأمنهم القومي، محولة الخليج إلى بنك أهداف إيراني مستمر.
ثانيا: الإذلال التكتيكي في هرمز.. هروب المدمرات
ما حدث ليلة أمس في هرمز هو إعلان رسمي لسقوط الهيمنة البحرية الأمريكية.
1. الاشتباك من المسافة صفر: وصف مسؤولين أمريكيين (عبر سي بي إس) بأن الزوارق الإيرانية اقتربت بما يكفي لفتح النار، واستخدام طهران لصواريخ كروز باليستية ومسيرات (كما أكد الحرس الثوري)، يثبت أن قوة الردع البحرية الإيرانية لا تزال بكامل عافيتها، وأن ادعاءات ترامب السابقة بتدميرها هي محض خيال.
2. الانسحاب السريع والتوسل السياسي: إعلان إذاعة جيش العدو (دورون كدوش) بأن الجيش الأمريكي "أخرج المدمرات من مضيق هرمز" بعد إطلاق النار، وتأكيد القيادة المركزية وNBC بأن الضربات "دفاعية ولا تشكل استئنافا للقتال"، هو قمة الإذلال. واشنطن تقصف، ثم تفر بمدمراتها، ثم تتوسل عدم اعتبار ذلك حربا! أمريكا هنا لا تبحث عن انتصار، بل تبحث عن تغطية انسحابها ببيانات إعلامية فارغة.
ثالثا: وهم "المذكرة" والوقت الضائع
هذا التصعيد جاء في الليلة التي كان يشاع أن ترامب ينتظر فيها رد إيران على "إطار سلام من صفحة واحدة".
* التخريب المتعمد: تشير التحليلات إلى أن ترامب، بضغط إسرائيلي (والذي تجلى باستهداف الضاحية لعرقلة الاتفاق)، أو خوفا من أن يظهر استسلامه كـ "هزيمة استراتيجية"، فضل توجيه هذه الضربات الموضعية لنسف الهدوء.
* الحقيقة الصادمة (فورين أفيرز): كما أقرت مجلة الشؤون الخارجية الأمريكية، إيران أثبتت قدرتها على إغلاق هرمز حتى في مواجهة قوة عظمى. واشنطن تدرك الآن أن القوة العسكرية لن تفتح المضيق، وأن كل هذا التصعيد هو مجرد إطالة لوقت الحرب التي يعارضها ثلثا الأمريكيين.
رابعا: لبنان.. رعب الانتقام ومسيفات الميدان
الجبهة الشمالية للاحتلال الإسرائيلي تعيش أسوأ أيامها.
1. الشلل التام: إعلان القناة 12 عن "حالة تأهب قصوى" وإلغاء الأنشطة الجماهيرية (كما في نهاريا) يعكس رعبا حقيقيا من رد حزب الله على اغتيال قائد قوة الرضوان. إسرائيل تتصرف كمن ينتظر الإعدام، مختبئة خلف جدرانها بانتظار الضربة.
2. سحق الآليات في بيوت السياد: في الميدان، لا تزال المقاومة تمسك بزمام المبادرة. مراسل المنار أكد استهداف آلية ثالثة من القوة المتوغلة في بيوت السياد، مما يثبت أن محاولات التقدم الإسرائيلية تتحول فورا إلى مجازر للدروع، وأن الاغتيالات لم تكسر الهيكل القيادي العملياتي للمقاومة الذي يواصل سحق قوات النخبة الإسرائيلية.
الخلاصة والسيناريوهات المتوقعة
لقد حسمت ليلة هرمز المعركة النفسية. أمريكا فقدت القدرة على الردع، وتتصرف كرد فعل لرضا حلفاء مرعوبين.
* السيناريو الأول (المراوحة والعودة للمفاوضات تحت النار): ستستوعب إيران الضربة الأخيرة وتعتبرها "انتصارا تكتيكيا" بعد طرد المدمرات، وسترفض التوقيع على "مذكرة الصفحة الواحدة" بالشروط الأمريكية، مجبرة ترامب على تقديم تنازلات جوهرية أو مواجهة انهيار أسواق الطاقة وتفكك ما تبقى من حلفائه في الخليج.
* السيناريو الإسرائيلي (محاولة الهروب للأمام): مع توقع ضربة انتقامية قاسية من حزب الله، قد يندفع نتنياهو (الذي يواجه أزمات داخلية وتأجيل محاكمات) نحو تنفيذ غارات واسعة وتدميرية في عمق لبنان (وربما بيروت مجددا) لمحاولة كسر معادلة الردع وتوريط ترامب بحرب إقليمية لا يريدها. في كلا الحالتين، المحور صامد، وأمريكا وحلفاؤها يبحثون عن مخرج النجاة.
إيران تشترط وقف الحرب على لبنان.. ورئيسنا يصمت على “قواعد” نتنياهو
الكيان بين الـ 7 من أكتوبر ولعنة الـ 80
حزب الله بين الكباش السياسي والتصعيد العسكري.. هل تندلع الحرب؟!