"إسرائيل" تَنعى اجتياحها لمضيق "جبل عامل" _ د. نسيب حطيط

الإثنين 11 أيار , 2026 11:59 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات
بدأ العدو "الإسرائيلي" يمهد لقرار انسحابه وفراره من لبنان، ليس من باب المفاوضات بل من باب الميدان العسكري الذي استطاعت المقاومة منذ ثلاثة أسابيع أن تغير الاتجاه الميداني لصالحها بصمودها الكربلائي, وتكتيكاتها وتقنياتها العسكرية التي فاجأت العدو، فسجنت الجيش الذي لا يقهر في "قن حديدي" أو خلف "شباك الصيد" وأعادته ليحتمي "بشبكة العنكبوت" التي خاض معركة بنت جبيل لإسقاطها ومحوها من ذاكرته، وبدل أن تكون مصطلحاً نظرياً أعادت المقاومة فرضها عليه عملياً، وهذا ما تؤكده صور الدبابات والآليات العسكرية التي تتحرك خلف الشباك أو القن الحديدي، بالصورة والبيانات العسكرية "الإسرائيلية"، وعلى شاشات المقاومة.
استطاع المقاومون العامليون الكربلائيون، رغم الخسائر الفادحة التي أصابت المجتمع المقاوم من شهداء مقاومين ومدنيين وتدمير القرى وإحراق الأرزاق والمؤسسات، إفشال الاجتياح "الإسرائيلي" البري وتراجعه، على لسان قادته العسكريين، عن الأهداف العسكرية والسياسية التي أعلنها في بدايته، بعدما استطاعت المقاومة "منفردة" وليست المفاوضات متعددة الجنسيات، إجبار العدو على التراجع عن أهدافه على مستوى جغرافيا الاجتياح أو على مستوى الأهداف السياسية والعسكرية وفق التالي:
 - على مستوى الجغرافيا المحتلة أو المنطقة الأمنية العازلة: تراجع العدو عن بيانه الأول بالوصول إلى نهر الليطاني، وتقلصت المنطقة العازلة إلى "المنطقة الصفراء"، ثم إلى "قن حديدي" متحرك.
 - تراجع العدو على لسان رئيس أركان جيشه من القضاء على حزب الله أو القضاء على المقاومة إلى هدف إبعاد الصواريخ ضد الدروع، وهو هدف وهمي، حيث لا يمكن منع هذه الصواريخ حتى لو وصل إلى الليطاني نتيجة مداها الذي يتجاوز 6 كلم، مع إمكانية التسلل وتهديد المستوطنات. 
- منع تسلل واجتياح المقاومة للجليل: وهذا هدف افتراضي سقط العدو في فخه، حيث يحاول تحقيق نصر على إعلان يشبه الإشاعة والحرب النفسية التي أطلقتها المقاومة، ولا دليل عملانياً على أنها ستقوم به.
- التراجع عن هدف القضاء على المقاومة إلى هدف متواضع وهمي أيضاً غير ملموس؛ بتهيئة الظروف مع الحكومة اللبنانية لتفكيك المقاومة، واصطلاحاً، التفكيك يختلف عن القضاء؛ فالتفكيك هو إضعاف للقوة وليس قضاءً عليها، وبالتالي فإنها هدف وهمي لا حدود زمنية له، مع عبثية انتظار أن تستطيع الحكومة اللبنانية تفكيك المقاومة أو اجتثاثها، خصوصاً أن الجيش اللبناني الوطني لن يكون شرطة للاحتلال أو جيش لحد جديد.
المقاومةُ أجبرت القيادة العسكرية "الإسرائيلية" على الاعتراف بالهزيمة والانكسار الاستراتيجي لجهة تغيير الأهداف خلال شهرين من القتال، ونعي الاجتياح على لسان رئيس أركان جيشها إيال زامير، الذي نعى أمام الكنيست الاجتياح البري والتفوق العسكري للجيش الذي قهرته المقاومة، محاولاً تبرئة الجيش "الإسرائيلي" من الفشل والإخفاق، فأعلن أن "الجيش الإسرائيلي لم يُكلَّف بنزع سلاح حزب الله، وأن مهمته هي الدفاع وليس الهجوم، ومنع نيران مضادة للدروع والتوغلات - يقصد توغل المقاومة في الجليل - وإيجاد الظروف التي تمكّن الدولة اللبنانية - سياسياً ودولياً - من نزع سلاح حزب الله وليس القيام بذلك بنفسه"، بالإضافة إلى ما قاله ايهود باراك؛ صاحب قرار الانسحاب عام 2000: "الحقيقة انه بعد سنتين ونصف من الحرب فإن حزب الله لايزال موجوداً على حاله، وهذا فشل استراتيجي عميق لحكومة إسرائيل.. والنصر على حزب الله وهم...".
أهمية اعترافات إيال زامير تكمن في جهة التوقيت، والمضمون، والمكان (الكنيست) وليس الحكومة التي يتحكّم بها نتنياهو، وقبل يوم من بدء المفاوضات اللبنانية - "الإسرائيلية"، حيث انتزعت المقاومة من العدو "الإسرائيلي" ورقة الميدان والضغط العسكري ووضعتها بيد المفاوض اللبناني الذي لا يريد استثمارها لصالح لبنان، ووضعتها  أيضاً بيد المفاوض الإيراني الذي سيُحسن استثمارها لصالح لبنان ومحور المقاومة، وفي مقدمتها إيران، وبدل أن تكون الجبهة اللبنانية الخاصرة الرخوة لمحور المقاومة، عادت لتكون رأس الرمح وصياد الجوائز لوضعها في رصيده ولتثبت أنها "محور المحور"؛ كما وصفها نتنياهو.
 كان محور المقاومة يتحكّم بمضيقي "هرمز وباب المندب" أعطتهما إياهما الجغرافيا والتقسيمات السياسية، ،فصار له مضيق ثالث "مضيق جبل عامل" الذي صنع إيمان وإرادة المقاومين الكربلائيين وصبر أهلهم المُبعدين والصامدين، والتي ستفرض وقف النار وانسحاباً ثانياً كما العام 2000 بإذن الله.
صحيحٌ أن الثمن كان غالياً؛ 12 ألف شهيد وجريح وعشرات القرى المدمّرة ومئات آلاف البيوت حتى الآن، لكن الأرباح ستكون كبيرة جداً في حفظ الدين والكرامة ومقاومة {أشد الناس عداوة للذين آمنوا}.
يا أهل المقاومة والإيمان والعنفوان افتخروا بأبنائكم الأبطال وتباهوا بشجاعتهم... وراهنوا على إنجازاتهم ولا تراهنوا على المفاوضات...


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل