خاص الثبات
في السياسة اللبنانية، التقلّبات ليست أمراً نادراً، لكن بعض التحوّلات تكون فاقعة إلى درجة تفرض طرح أسئلة جدّية حول الثبات والمصداقية. وهذا تماماً ما ينطبق على مواقف فيصل كرامي تجاه حزب الله، بين الأمس واليوم.
على مدى سنوات، لم يكن كرامي مجرد حليف عابر لما يُعرف بـ"محور المقاومة"، بل كان من أبرز المدافعين عنه سياسياً وإعلامياً. في عام 2011، شدّد على أن "خيار المقاومة هو القادر على تحرير الأسرى اللبنانيين والعرب وكامل التراب العربي"، مشيداً بدورها في مواجهة إسرائيل واستعادة الأسرى وجثامين الشهداء. هذا الكلام لم يكن ملتبساً أو قابلاً للتأويل، بل كان انخراطاً واضحاً في خطاب المقاومة.
ثم في 2018، ذهب أبعد من ذلك، عندما ردّ على خطاب الشهيد الأسمى السيد حسن نصرالله قائلاً: "نحن نفتخر بالمقاومة". عبارة تختصر موقعه السياسي آنذاك، وتؤكد أنه لم يكن على مسافة من الحزب، بل في صلب تأييده.
وفي 2019، كرّر كرامي موقفه الداعم، معتبراً أن "المقاومة لا تحمي فقط الضاحية الجنوبية والبقاع والجنوب وإنما كل لبنان". هذا التصريح يضعه بوضوح ضمن المدافعين عن شرعية سلاح حزب الله ودوره الوطني، وليس فقط كحالة ظرفية أو اضطرارية.
حتى في 2024، لم يظهر أي تبدّل جذري، إذ هنّأ "المقاومين الأبطال" في ذكرى التحرير، مشيداً بـ"الإنجاز الاستراتيجي" الذي أدى إلى انسحاب إسرائيل من لبنان، ومحذراً من مخاطر العدوان الإسرائيلي. كل ذلك يعكس استمرارية في الخطاب المؤيد للمقاومة.
لكن في 2026، يخرج كرامي بموقف مختلف جذرياً، قائلاً إنه لا يمكن أن يكون إلا مع الدولة، رافضاً أن يكون "فصيلاً إيرانياً في لبنان"، ومعتبراً أن حزب الله هو كذلك. هذا التحوّل ليس مجرد تعديل في النبرة، بل انقلاب كامل في التوصيف السياسي.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا ليس فقط: لماذا تغيّر موقف كرامي؟ بل: كيف يمكن التوفيق بين هذا التاريخ الطويل من الإشادة والدعم، وبين الخطاب الحالي الذي يضع الحزب في خانة التبعية الخارجية؟
الأمر يزداد حساسية عندما نأخذ بعين الاعتبار أن علاقة كرامي بحزب الله لم تكن سطحية. فهو يُعد من حلفائه السياسيين، واستفاد من هذا التحالف في محطات انتخابية وحكومية، بما في ذلك الدعم السياسي والمالي الذي ساهم في حضوره داخل السلطة. هذا يطرح إشكالية إضافية: هل كان هذا الدعم مبرَّراً حينها، وأصبح مرفوضاً اليوم؟ أم أن المواقف تخضع لحسابات ظرفية أكثر مما تعكس قناعات ثابتة؟
الانتقال من موقع "الافتخار بالمقاومة" إلى اتهامها بأنها "فصيل إيراني" لا يمكن اعتباره مجرد تطوّر طبيعي في الرأي السياسي. بل هو تحوّل جذري يستدعي توضيحاً صريحاً، خصوصاً أمام جمهور تابع هذه المواقف على مدى سنوات.
في الخلاصة، لا يحتاج المتابع إلى كثير من التحليل ليلاحظ حجم التناقض في مسار فيصل كرامي السياسي. من الإشادة بالمقاومة واعتبارها درعاً لكل لبنان، إلى توصيفها كـ“فصيل إيراني”، يقف الرأي العام أمام تحوّل حاد يفتقر إلى تفسير مقنع. في السياسة، قد تتبدّل المواقف، لكن ما يثير التساؤل هو هذا الانتقال السريع من موقع الحليف إلى موقع الخصم، من دون مراجعة علنية أو مصارحة واضحة.
هذا التبدّل يفتح الباب أمام علامات استفهام مشروعة: هل نحن أمام مراجعة فكرية حقيقية، أم أمام إعادة تموضع تفرضها حسابات السلطة والمرحلة؟ وأين يقف الثبات على المبادئ عندما تصبح التحالفات السابقة مجرّد مرحلة يتم التنصّل منها؟
يبدو أن السعودية لمحت له برئاسة الحكومة فكفر بتاريخه وليس جديدا، على من ضيع دم الرئيس الشهيد رشيد كرامي أن يبيع المقاومة.
إلى فيصل كرامي: حلو الوفاء.
مفاعيل حرب إيران: ترسيخ الشرخ داخل الناتو _ د. ليلى نقولا
رسالة الى المرجعيات الدينية والسياسية والإنسانية: أدركوا أهلنا حتى لا تضيع تضحيات المقاومين _ د. نسيب حطيط
مرجع دبلوماسي: ممنوع على إيران وتركيا والسعودية "التمدد بالسلاح" _ حسان الحسن