مفاعيل حرب إيران: ترسيخ الشرخ داخل الناتو _ د. ليلى نقولا

الإثنين 04 أيار , 2026 01:49 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات

أعلنت وزارة الدفاع الأميركية سحب نحو خمسة آلاف جندي من ألمانيا؛ في أحدث فصول التوتر المتصاعد بين إدارة الرئيس دونالد ترمب والحلفاء داخل حلف شمال الأطلسي. القرار الذي وُصف رسمياً بأنه جزء من إعادة تقييم الانتشار العسكري الأميركي، يأتي في سياق التوتر بين ترمب والأوروبيين على خلفية حرب إيران، التي انتقدها المستشار الألماني معتبراً أن الولايات المتحدة لا تمتلك استراتيجية خروج.

تشكّل ألمانيا حجر الزاوية في البنية العسكرية الأميركية الأوروبية، اذ إنها تستضيف بين 35 و40 ألف جندي أميركي، إلى جانب بنى تحتية تُعد الأهم خارج الأراضي الأميركية. وتعتبر القواعد الألمانية مراكز انطلاق رئيسية للعمليات العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط وأفغانستان وأفريقيا.
من هنا، يبدو القرار متعارضاً مع أهمية ألمانيا الاستراتيجية، خصوصاً في ضوء الخطوات الألمانية الأخيرة لزيادة الإنفاق الدفاعي إلى نحو 3.7% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030، والمضي في مشاريع تصنيع عسكري مشتركة، مثل أنظمة الدفاع الجوي “باتريوت” وزيادة إنتاج الذخائر والصواريخ. هذا التناقض يعزز الانطباع بأن الدوافع سياسية بالدرجة الأولى، وأنه ردة فعل من قبل ترمب ضد الحلفاء، لاسيما أنه ألمح الى إمكانية أن تشمل الانسحابات دولاً أخرى، مثل إسبانيا وإيطاليا.

وهكذا، يبدو أن حرب إيران وسّعت الشرخ بين الحلفاء في حلف الناتو، خصوصاً بين الولايات المتحدة وأوروبا، التي كانت أساساً متوترة قبل الحرب بفعل اختلاف التصورات تجاه حرب أوكرانيا، ورغبة ترمب في ضم غرينلاند وكندا، وكان آخرها رفض الحلفاء في الناتو المساهمة في فتح مضيق هرمز، ما يعكس رغبة أوروبية في تجنب الانجرار إلى حروب استنزاف تخدم أجندات داخلية أميركية، وتضر بالأمن القومي الأوروبي.

تُظهر هذه التطورات أن حلف الناتو يمر بواحدة من أكثر مراحله حرجاً، ويمكن تفسيرها عبر النقاط التالية:

جبهة أوروبا الشرقية: إن تقليص الوجود العسكري في ألمانيا والخلافات داخل الناتو يبعث برسالة طمأنة استراتيجية لموسكو، التي طالما اعتبرت القواعد الأميركية في أوروبا الشرقية تهديداً مباشراً لمجالها الحيوي.
تنامي النزعة الاستقلالية الأوروبية: يعزز هذا التوتر من قناعة الدول الأوروبية، وعلى رأسها ألمانيا وفرنسا، بضرورة المضي قدماً في مشروع "السيادة الاستراتيجية".
تآكل الثقة والموثوقية الاستراتيجية: إن استخدام الوجود العسكري كأداة للضغط السياسي يزعزع مفهوم "الثقة المتبادلة" الذي قام عليه الحلف منذ عام 1949. وعندما تصبح الالتزامات الدفاعية خاضعة للمقايضات التجارية، فإن ذلك يدفع الحلفاء للبحث عن تحالفات بديلة أو اعتماد سياسات "الحياد"، مما يقلّص من قدرة الولايات المتحدة على حشد دعم دولي واسع في الأزمات المستقبلية.
وبكل الأحوال، وبالرغم من استياء ترامب من حلفائه في حلف الناتو، إلا أن قانوناً اقر عام 2024 يمنع الرئيس من مغادرة حلف الناتو دون الحصول على أغلبية ثلثيْ أعضاء مجلس الشيوخ أو قانون من الكونغرس، وهو ما يحدّ من قدرة ترامب على الخروج من الحلف بشكل نهائي، مع العلم أن لدى الرئيس الأميركي صلاحيات واسعة عسكرية، تجعله قادراً على الالتفاف على القانون، وتعطيل قدرة الحلف عبر وقف الدفع أو إعادة الانتشار أو غيرها.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل