خاص الثبات
في اللحظات التي يُمتحَن فيها معنى الصراع في سوريا، وحين ترتفع حرارة الميدان إلى الدرجة التي تُظهر الحقيقة كما هي، تتكشّف هشاشة كثير من الشعارات التي رُفعت طوال السنوات الماضية. مشهد بيت جن في ريف دمشق، حيث يواجه الأهالي إسرائيل بصلابة غير مألوفة في زمن الانقسامات، قدّم مرآة كاشفة وجرّاحاً دقيقاً لخطاب القوى المتصدّرة في الشمال السوري.
فبينما كان الأهالي يخوضون مواجهة مباشرة مع قوة احتلالية، لم تتحرك أي جهة تدّعي حمل راية التحرير:
لا وزارة الدفاع، ولا الأجهزة الأمنية، ولا مجموعات البدو، ولا الفصائل في إدلب، ولا حتى المجموعات التي ترفع شعارات “الثورة” و“التحرير” وتتخذ من الخطابات الرنانة رأس مالها السياسي.
المشهد بدا كأنه اختبار صامت: من الذي يعتبر إسرائيل عدواً فعلاً؟ ومن الذي حوّل البوصلة لتستقر على خصوم داخليين، ناسياً أو متناسياً أن الاحتلال ما يزال جاثماً على أرض سورية منذ عقود؟
الأكثر إيلاماً في هذا السياق أنّ سلطة الجولاني والمجموعات المرتبطة بها انتقلت مراراً — وفي غضون ساعات فقط — إلى ساحات قتال ضد سوريين مثلهم، معتبرة ذلك “معركة مصيرية”، بينما لم تُبدِ أي استعداد، ولو رمزي، لدخول ساحة مواجهة مع قوة احتلالية.
إنّ سهولة الاندفاع نحو صراع داخلي، وصعوبة أو استحالة الاقتراب من خط اشتباك مع إسرائيل، لا يمكن تفسيرها إلا بأن الأول مباح وممكن، والثاني ممنوع أو غير وارد أصلاً — وهنا تتعرّى الخطابات من زينتها.
إنّ بيت جن، بوقوفها شبه المنفرد، لم تُحرج أحداً بقدر ما كشفت حقيقة التناقض الصارخ بين الخطاب والممارسة. فقد برهنت أن من يريد المواجهة فعلاً يجد طريقه إليها، وأن من يريد تبرير العجز يختبئ خلف حسابات سياسية وأمنية وأيديولوجية تُعيد تعريف العدو بما يناسب مصالحه لا بما ينسجم مع منطق التحرير.
وفي زمن كثرت فيه الروايات المتنافسة، بدا أنّ الموقف الحقيقي لا يُقاس بالشعارات، بل بالوجهة التي تُسلَّط نحوها البنادق. فثمة فرق بين من يختار أصعب المواجهات، ولو بقدرات محدودة، ومن يختار أسهلها ولو على حساب دم السوريين.
ممثل المعسكر الأوكراني المتطرف: زيلينسكي سيشنق على أول شجرة _ حسان الحسن
عملية "بيت جن" بين الحادث الفردي وبداية المقاومة السورية ــ د. نسيب حطيط
حزب الله.. الصمت الاستراتيجي أو الرد المؤجل - حمزة حسين