إيران وتعليمات المُرشد: عند أول صاروخ أطلقوا الصواريخ في كل الاتجاهات ــ أمين أبوراشد

الأربعاء 21 كانون الثاني , 2026 08:49 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات

يستطيع الرئيس الأميركي دونالد ترامب تكذيب وكالة "رويترز"؛ أن اتصالات ملوك وأمراء دول مجلس التعاون الخليجي هي التي دفعته "لفرملة" العدوان على إيران، إضافة الى اتصال من بنيامين نتانياهو يطلب فيه التريث، إلى حين استكمال "إسرائيل" تعزيز بعض منظوماتها الدفاعية، لكن الرئيس ترامب في الوقت نفسه لا يستطيع تمرير كذبته السخيفة على العالم؛ أنه أوقف العدوان بعد أن بلغته أنباء عن وقف إيران الإعدامات بحق المتظاهرين ومثيري الفتنة خلال الأيام الأخيرة، علماً أن ترامب لا يستطيع أن ينكر بأن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، أبلغ حكومات الدول الخليجية أن الصواريخ الإيرانية ستضرب كافة القواعد الأميركية في تلك البلدان؛ أسوةً بالمدمرات والبوارج الأميركية المنتشرة في مياه الخليج.

لم تكتفِ وزارة الخارجية الإيرانية بإيصال رسائل تحذير إلى دول المحيط بأن العدوان الأميركي على إيران سيُشعل المنطقة من المحيط إلى الخليج، بل استدعت سفراء الدول الأوروبية الأربع المعتمدين لديها: بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا، الذين شاءت حكوماتهم تدريس الشعب الإيراني مبادئ الديمقراطية، وأدخلتهم إلى صالة مغلقة، وعرضت لهم فيديوهات عن مسلحين مقنَّعين يطلقون النار على المتظاهرين بهدف إسقاط أكبر عدد من الضحايا، وإلصاق التهمة بقوات الأمن والشرطة، وتبيَّن بعد اعتقال العشرات منهم أن الموساد "الإسرائيلي" جنَّدهم لارتكاب هذه الجرائم بالمتظاهرين السلميين، وأن أسلحتهم قد تم إدخالها إلى الأراضي الإيرانية عبر عُلَب حلويات.

محاولات أميركا ومعها "إسرائيل" وبعض الغرب لتغيير النظام الإيراني فشلت، وستفشل، رغم التفوق العسكري والتكنولوجي والإلكتروني، لأن الشعب الإيراني مقتنع أولاً وأخيراً أنه لا خير يأتي من أميركا، بدليل أن ترامب ناشد المتظاهرين "السيطرة على المؤسسات، ونحن قادمون لمساعدتكم"، فانكفأ المتظاهرون وتفرَّقت التظاهرات وعادت الحشود إلى المنازل، رفضاً للمساس بكيان دولتهم وسيادتها. 

ولو سلمنا جدلاً بما قاله الرئيس الاميركي في حديث لمجلة “بوليتيكو” أنه "حان الوقت للبحث عن قيادة جديدة في إيران"، ووصف المرشد الأعلى السيد علي خامنئي  بـ"الرجل المريض”، وأن إيران "أصبحت أسوأ مكان للعيش في العالم بسبب سوء القيادة”، فإن تغيير "الأشخاص" في دولة ذات نظام ديني عقائدي قومي مثل إيران لا يعني القدرة على تغيير النظام بمؤسساته وهيكليته ودستوره، ومجرد محاولة تغيير هذا النظام عبر أساليب التحريض واختراق المظاهرات وتأليب الشعب، فهذا يعني الفوضى التي لن تقتصر على داخل إيران، بل سوف تتشظى بها كل دول الجوار.

وليس موضوع العدوان على إيران مقتصراً على القدرات العسكرية لدى أميركا و"إسرائيل"، ولا التفوُّق التكنولوجي والإلكتروني الذي سارعت كل من روسيا والصين إلى خلق نوع من التطور فيه لدى إيران، خاصة ما يرتبط بتقنيات الصواريخ، ومواجهة مشاكل نظام "ستارلينك" التي افتعلتها أميركا خلال مواجهة الإثني عشر يوماً مع إيران، وأعلن الرئيس الروسي منذ ساعات أن روسيا قد أوجدت حلولاً لها.

ولا نبالغ في القول، مهما عظمت قدرات أميركا ومعها "إسرائيل"، أن محاولة تغيير النظام الإيراني -عسكرياً- تعني دمار "إسرائيل" قبل أن تتشظى إيران، لأنها دولة بمساحة قارة (نحو مليون وسبعمائة ألف كلم مربع) مقابل فلسطين المحتلة ( اثنان وعشرون ألف كلم مربع)، بما يعني أن مساحة الكيان الصهيوني تشكل 0,01 من مساحة إيران، وأن "مدن الأنفاق العسكرية" في أعماق الجبال على امتداد الخارطة الإيرانية، لا ينفع معها لا التطور التكنولوجي ولا الإلكتروني.

في الخلاصة، لا يزال الرئيس الأميركي خارجاً من مغامرة خطف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وتحلو المقارنة بين ما حصل في كاراكاس وما قد يحصل في طهران:
- بادرت المحكمة الدستورية العليا في فنزويلا إلى انتخاب نائبة الرئيس وتكليفها بمهام الرئاسة، ولم يتغير النظام الاشتراكي الثوري في فنزويلا، وفي طهران هناك ثلاثة أسماء جاهزة لخلافة المرشد الأعلى ضمن النظام في حال حصل أي مكروه لا سمح الله.

- بعد يومين من خطف الرئيس الفنزويلي، أعلن ترامب عن نية الولايات المتحدة بدء الاستفادة من احتياطي النفط الفنزويلي الهائل، واستدعى رؤساء مجالس إدارة كبريات شركات النفط الأميركية، لكنه تلقى منها تقاريراً فنية صادمة، أن مشروع تأهيل منشآت النفط الفنزويلية تبلغ كلفته 130 مليار دولار ويستغرق الأمر سنوات لبدء الإنتاج التجاري، لكن كلفة إنتاج برميل النفط الفنزويلي - ذو الكثافة الثقيلة - تبلغ 70 دولاراً، بما يعني أن دراسة الجدوى لا توحي إطلاقاً أن الشركات الأميركية مهتمة بالاستثمار. 

- ليست المفاجأة في التقارير الفنية ودراسات الجدوى لشركات النفط الأميركية العملاقة، بل في مَن يعتبر نفسه رئيس أعظم دولة في العالم، يخرج مراراً وتكراراً أمام وسائل الإعلام ويتباهى بالسيطرة على النفط الفنزويلي، قبل أن يستشير تلك الشركات؛ تماماً كما أراد جعل غزة "ريفييرا"، والساحل السوري "ريفييرا" وتماماً كما هلوس بضمّ كندا، وعينه الآن على غرينلاند وعلى قناة بنما، ويرفع الضرائب على دول العالم ويتراجع في اليوم التالي، وهنا يُترك الأمر لأهل الاختصاص في العلاقات الدولية والمنظمات القانونية أن يحكُموا، من هو الرجل المريض؟ هل ذلك المرشد الأعلى "الطاعن في السن"، الذي يتابع المهام اليومية على أرض الواقع، الحربية والاقتصادية والمعيشية لشعبه، أم ذلك المتطيِّر الذي قرر أن "يجعل أميركا عظيمة مجدداً"، وهو ليس أكثر من مجنون عَظَمة فارغة ملأ العالم استعراضاً فارغاً؟


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل