عملية "بيت جن" بين الحادث الفردي وبداية المقاومة السورية ــ د. نسيب حطيط

السبت 29 تشرين الثاني , 2025 09:10 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات
يمكن اعتبار عملية "بيت جن" البطولية بصيص أمل في المشهد السوري والعربي، تشير إلى أن الذاكرة الجماعية للسوريين ما زالت تحتفظ بالعداء "لإسرائيل"، سواء على المستوى العقائدي أو الانتماء القومي، مع لفت الانتباه إلى توقيتها الذي تزامن مع الذكرى السنوية الثانية لطوفان الأقصى، والذكرى السنوية الأولى لحرب لبنان وإسقاط النظام في سوريا، لتكون بمنزلة إنذار وتنبيه للعدو "الإسرائيلي" بأن ما حقّقه من مكاسب في الجغرافيا السورية واللبنانية والفلسطينية وجميع انتصاراته تظل مؤقتة وظرفية وقابلة للخسارة إذا بادرت فصائل المقاومة إلى لمّ شملها وما تبقى من قدراتها، وتجاوز الخلافات مع بعضها أو مع الجماعات التكفيرية والأنظمة الأخرى.
ليس مستغربًا وجود مقاومة سورية على مستوى الأفراد أو الجماعات، بل الغريب هو الصمت السوري تجاه الاعتداءات والتحركات العسكرية "الإسرائيلية" التي طالت العاصمة دمشق، مع تفهّم الصدمة التي يعيشها الشعب السوري وأحزابه الذين لم يستوعبوا بعد مفاجأة إسقاط النظام، لكن هذا لا يبرّر الصمت والتخاذل وعدم التحرك، والمستغرب أيضًا هو صمت الفصائل الفلسطينية المقاومة التي تمتلك العديد والمنشآت في سوريا، وبعضها على تنسيق مع النظام الحاكم لدعمه أثناء محاربة النظام.
لا نعوّل على النظام الجديد لإعلان الحرب على "إسرائيل"، فهو يفتقر إلى القدرات بعد تدمير "إسرائيل" لكل الترسانة السورية، وبسبب اعتراف رعاته به ومساعدته له وشطبه من لوائح الإرهاب، شرط ألا يكون عدوًا "لإسرائيل"، بالتزامن مع إعلان أعدائه عن حركات ودول المقاومة.
لقد كشفت عملية "بيت جن" وما سبقها من توغلات واحتلال "إسرائيلي" لجبل الشيخ والجنوب السوري عن عدة أمور:
-  أن "إسرائيل" لا تكتفي بإعلان استسلام النظام والشعب، للنجاة من القصف والإذلال والاحتلال والاعتقال.
- تفرض "إسرائيل" على المعارضة والجماعات التكفيرية تسديد ديونها لها، فهي التي دعمتهم ضد النظام واستقبلتهم في مستشفياتها.
- كشفت عملية "بيت جن" عن الوجه الحقيقي "للإسلام التكفيري" الذي تديره أمريكا، وفضحت عقيدتهم التي تدعو لإحياء حكم الله، لكنها بدلاً من مواجهة "إسرائيل"، تهاجم كل من يقاومه، وقد مثلت هذه العملية اختباراً عقائدياً وسياسياً للنظام الجديد، وكل الجماعات التكفيرية السورية أو الوافدة إليها.
- أن "إسرائيل" ليست قوة لا تُقهر أو تُهزم؛ بل هي دولة هشّة وضعيفة، تستمد قوتها من ضعف العرب والمسلمين وتخاذلهم وتشتتهم وتآمرهم، وتحالف بعضهم معها ضد قوى المقاومة، كما أن العجز الإسرائيلي واضح في استيعاب الجغرافيا الواسعة التي ضمتها إلى فلسطين المحتلة، خاصة إذا قاوم أهلها ولم يستسلموا واستنزفوا جيش الاحتلال الذي لا يقوى على خوض حرب طويلة لسنوات عديدة.
هل يستيقظ السوريون بكافة طوائفهم ومذاهبهم وأحزابهم ،بأنهم يقفون أمام منعطف حاسم سيحدد مصير وطنهم ومصيرهم...فإما أن يحافظوا على وطن موحد له سيادته وكرامته وأمنه، وإما أن يصبحوا شعباً لاجئاً في وطنه ومشتتاً في دول العالم.
إن تأسيس وانطلاق المقاومة السورية ضد "إسرائيل" هو المدخل الرئيسي لحماية سوريا وشعبها وثرواتها، ويمكن البناء على عملية "بيت جن" كي لا تكون مجرد حدث فردي عابر، بل بداية لمرحلة جديدة، خصوصاً بعد تفاعل الشعب السوري، ولو بشكل محدود، تأييداً لها عبر إحراق العلم "الإسرائيلي" وتشييع الشهداء.
فهل تعمل قوى المقاومة الفلسطينية والسورية، التي هي من مذهب وعقيدة واحدة، على مشاغلة العدو في الجبهة السورية، مع التنسيق والتكامل مع المقاومة اللبنانية لتوحيد القوى ضد العدو على جبهة طويلة تشمل الحدود اللبنانية والسورية؟ 
هل توقد عملية بيت جن شعلة ثقافة المقاومة في سوريا، أم سيتم إطفاؤها بالنار "الإسرائيلية" وحصار النظام وفتاوى شيوخ "الديانة الإبراهيمية"؟
لم تنته الحرب، ولن تنتهي، ولا يزال الوقت متاحاً لإعادة تجميع قوى المقاومة، شرط ألا تُرتكب نفس الأخطاء السابقة (كالقتال المنفرد، والقتال دون تنسيق مع الحلفاء، والتردد، وسوء تقدير الرد "الإسرائيلي") التي سهّلت على "إسرائيل" أن تلتهمها واحدة تلو الأخرى، فالمعركة القادمة إما أن تكون معركة كل قوى المقاومة في (لبنان وسوريا وفلسطين واليمن والعراق وإيران)، وإلا فالأفضل عدم خوضها بشكل أحادي، لأنه سيكون ذلك انتحارًا وسيؤدي إلى تكرار نفس الخسائر والإخفاقات، أو ربما أسوأ منها... والبداية في تأسيس جبهة مقاومة عربية - إسلامية - دينية وعلمانية وقومية شاملة.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل