الغرب في خطابه الجديد "للإسرائيليين": ابحثوا عن شكل جديد لقتل الفلسطينيين!

الإثنين 08 نيسان , 2024 10:16 توقيت بيروت مقالات مختارة

مقالات مختارة

بعد ستة أشهر من شنها حرباً مدمرة على قطاع غزة وقتلها أكثر من 33.4 ألف فلسطيني، تغيّر الخطاب الغربي حيال "إسرائيل" بعض الشيء، وانتقل من إعلان الدعم المطلق للكيان الصهيوني في عدوانه على قطاع غزة إلى مطالبته القيام بخطوات ملموسة على صعيد زيادة المساعدات، وتغيير وسائل القتال وآلياته بغية التخفيف من وقوع المزيد من الضحايا في صفوف المدنيين، وذلك على خلفية مقتل سبعة عاملين أجانب في مجال الإغاثة.

ومنحى هذا "التغيير" ترجمته المكالمة التي أجراها مؤخراً الرئيس الأميركي جو بايدن مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والتي قيل إنها كانت "الأصعب" منذ السابع من أكتوبر الماضي. وبحسب بيان صحفي للبيت الأبيض، فقد قال بايدن لنتنياهو إنه " يجب على إسرائيل إعلان وتنفيذ سلسلة من الخطوات المحددة والملموسة والقابلة للقياس لمعالجة الضرر الذي يلحق بالمدنيين والمعاناة الإنسانية وسلامة عمال الإغاثة".

وهذا أيضاً ما ذهبت إليه تصريحات ممثلي الدول الغربية في مجلس الأمن خلال الجلسة التي عقدها المجلس يوم الجمعة الماضي لبحث الأوضاع الإنسانية في القطاع، أو تلك التي قيلت عقب الإعلان عن مقتل موظفي الإغاثة التابعين لمؤسسة "المطبخ العالمي".

مقاصد الغرب

في المواقف الغربية المستجدة حيال عدوان "إسرائيل" على القطاع يمكن التوقف عند مجموعة من النقاط أبرزها:

-أن الدول الغربية لا تعارض إلى الآن استمرار "تل أبيب" في حربها على الفلسطينيين، وإنما تحثها على تغيير طريقة إدارتها لتلك الحرب بغية امتصاص الغضب الشعبي المتصاعد عالمياً من جراء المجازر والجرائم الإسرائيلية.

فالرسالة الغربية الجديدة المشفرة تخاطب الإسرائيليين بما معناه: لا نقول لكم لا تقتلوا الفلسطينيين ولا تقصفوا منازلهم، لكن الشكل الحالي بات مكشوفاً وتقليدياً... ابحثوا عن شكل جديد للقتل.

وإلا كان بإمكان هذه الدول أن توقف فعلاً تصدير السلاح إلى "إسرائيل"، عدم عرقلة أي قرار في مجلس الأمن الدولي يلزم "تل أبيب" بوقف إطلاق النار.... الخ.

- الحديث عن إجراءات وخطوات مطلوب تنفيذها من الإسرائيليين تكون قابلة للقياس ليس أكثر من محاولة للتلاعب بالمصطلحات وخداع الرأي العام العالمي.

فالمسطرة الغربية التي سيتم من خلالها قياس تنفيذ "تل أبيب" للإجراءات والخطوات منحازة وغير دقيقة ولا يعتد بها، فهي فشلت على مدار الأشهر الستة الماضية في قياس حجم الانتهاكات الإسرائيلية للقوانين والأعراف الدولية والإنسانية، وتبيان حقيقة ما تقوده "إسرائيل" من عملية تطهير عرقي وعنصري وتنفيذ إبادة جماعية هي الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية.

- ما تضمنته بعض التصريحات الغربية من مطالبة "إسرائيل" بالموافقة على دخول المزيد من المساعدات الإغاثية إلى مدن القطاع ومنع استهداف طواقم الإغاثة، يسوّق اليوم على أنه إنجاز غربي أو تحوّل في الموقف من الحرب على قطاع غزة، في حين أن الدول الغربية بمعظمها لم ترق بعد في مواقفها إلى ما أعلنته دول غربية أخرى مثل إسبانيا وإيرلندا وغيرهما، والتي تطالب بوقف الحرب على غزة، ومحاسبة "إسرائيل" على جرائمها، والاعتراف بدولة فلسطينية مستقلة.

-تزامن المواقف الغربية المستجدة مع حادثة مقتل سبعة عاملين أجانب في مجال الإغاثة، والتي أثارت موجة انتقادات عالمية، يجزم حقيقة النفاق الغربي المستمر حيال قضية غزة.

إذ لو كانت تلك المواقف جادة وصادقة لكانت جاءت بعد المشاهد المروّعة التي تضمنتها الصور الأولى الواردة من مجمع الشفاء الطبي، عقب انسحاب القوات الإسرائيلية بعد تدميره بالكامل وقتل المئات واغتصاب النساء ودفن الكثيرين أحياءً، أو رداً على مقتل ما يزيد على 200 موظف أممي كانوا يعملون في وكالات الأمم المتحدة المعنية بالشأن الإغاثي، أو بعد وفاة العشرات من الأطفال والنساء بفعل الجوع والمرض.

ولذلك، فإنه لولا حادثة مقتل موظفي الإغاثة الدوليين لما غيّرت الدول الغربية من خطابها العلني المساند والداعم للمجازر الإسرائيلية.

العوامل الحقيقية

عندما أوقف مجلس الأمن العدوان الإسرائيلي على لبنان صيف العام 2006، فإن ذلك لم يكن بدافع الحرص الأميركي على دماء اللبنانيين، وإنما لأن المقاومة تمكنت آنذاك من الصمود وتكبيد القوات الإسرائيلية خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد، وتالياً فإن أي وقف محتمل لإطلاق النار في قطاع غزة لن يكون بدافع الحرص على أرواح سكان القطاع وممتلكاتهم، وإنما لعوامل عدّة يمكن إيجازها بالآتي:

- صمود فصائل المقاومة وتسطيرها ملاحم بطولية موثقة بالصوت والصورة، فضلاً عن وجود اعتراف إسرائيلي متزايد بالفشل في تحقيق أهداف الحرب المعلنة سابقاً، والمتمثلة في القضاء نهائياً على فصائل المقاومة، وفي إطلاق سراح الأسرى الصهاينة المحتجزين لدى فصائل المقاومة.

- الضغوط التي أخذت تشكلها حركات الاحتجاج المتواصلة في عواصم ومدن العالم، والتحوّل الواضح في توجهات الرأي العام العالمي الذي بات مؤيداً ومسانداً للقضية الفلسطينية من جهة، ومندداً بالجرائم والمجازر التي ترتكبها القوات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين من نساء وأطفال وشيوخ ومرضى من جهة أخرى.

ويمكن ملاحظة أثر هذا العامل من خلال التحوّل الذي طرأ على مواقف وسائل الإعلام الكبرى عالمياً، والتي أخذت بداية الحرب موقفاً مؤيداً لـ"إسرائيل" لكن معظمها لم يستطع الاستمرار بتني ذلك الموقف في ضوء الصور الواردة يومياً من قطاع غزة.

- نجاح المؤسسات العربية والإسلامية في الدول الغربية في الضغط على القيادات السياسية والحكومات، لا سيما في الولايات المتحدة الأميركية التي تشهد انتخابات رئاسية تمهيدية، حيث تلقى الرئيس بايدن العديد من الصفعات الانتخابية في بعض الولايات من جراء مقاطعة العرب والمسلمين لحملته الانتخابية والتصويت ضده.

-تعرض المصالح الغربية في المنطقة للخطر بفعل استمرار العدوان الإسرائيلي على القطاع ومحاولته توسيع الحرب إقليمياً من جهة، وأعمال المساندة التي تقوم بها فصائل المقاومة في دول عدّة من جهة ثانية.

فالمهلة الغربية المعطاة لنتنياهو للقضاء على حركة حماس وسائر فصائل المقاومة انتهت منذ زمن ولم يحقق ما وعد به، وتالياً فإن إطالة أمد الحرب تتسبب في احتمال زعزعة استقرار بعض دول المنطقة الحليفة لواشنطن، وتعرض أسعار النفط لارتفاعات كبيرة سيكون المستفيد منها بعض الدول كالاتحاد الروسي، وهذا على عكس ما تخطط له واشنطن.

لا خير فيها

صحيح أن نتنياهو سارع بُعيْد مكالمته الأخيرة مع بايدن إلى الإعلان عن بعض الإجراءات كالسماح بدخول المساعدات عبر بعض المعابر، بيد أن ذلك لن يغير شيئاً من معاناة سكان القطاع المهددين في كل لحظة بالقتل إما بالصواريخ أو القذائف أو القنص، فـ"الجيش" الذي يقتل عناصره أشخاصاً عزّلاً يحملون الطعام لأطفالهم، ويدفنون آخرين أحياء لن يتحوّل فجأة إلى حمل وديع، ولن يلتزم بين ليلة وضحاها بالقوانين الدولية والإنسانية، ولن يوزع المساعدات وعبوات المياه على الفلسطينيين الجوعى والمرضى والنائمين في العراء. لذلك، لا تتوقعوا خيراً مما تحاول الدول الغربية ترويجه إعلامياً حيال موقفها المستجد من الحرب على قطاع غزة.

 

زياد غصن ـ الميادين

 

 إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الثبات وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل