الاتفاق الدفاعي بين تركيا والصومال... الأبعاد والتداعيات

الإثنين 26 شباط , 2024 06:59 توقيت بيروت مقالات مختارة

مقالات مختارة

وقَّعت تركيا والصومال في 8 شباط/فبراير 2024 اتفاقية للتعاون الدفاعي والاقتصادي ومكافحة الإرهاب لمدة عقد كامل، وذلك خلال زيارة وزير الدفاع الصومالي عبد القادر محمد نور لأنقرة. وقد وصف الاتفاق بالتاريخي، لكونه يشمل جوانب مختلفة عسكرية واقتصادية وإنسانية.

 وبموجب الاتفاقية، يتوجّب على أنقرة حماية سواحل الصومال وتأمينها في مقابل منح أنقرة حق استغلال 30% من ثروات الساحل الصومالي الأطول في القارة الأفريقية. وتتضمن الاتفاقية مكافحة جرائم القرصنة، ومنع التدخلات الأجنبية والصيد غير القانوني وتهريب السلاح، وتدريب وبناء القوات البحرية الصومالية وإمدادها بالمعدات.

ورأت الحكومة الصومالية، على لسان وزير الإعلام داوود أويس جامع، في الاتفاقية حمايةً لسيادتها، فيما اعتبر رئيس الوزراء حمزة عبدي بري أنها "تنهي مخاوف الصومال من الإرهاب والقراصنة، وتمنع التهديدات والانتهاكات الخارجية".

ورغم أن رئيس الصومال حسن شيخ محمود أكّد أن "الاتفاقية لا تستهدف أي طرف ثالث"، فإن من بين عدة دلالات هامة لتوقيعها توقيتها وأبعادها، فقد جاءت بعد شهر تقريباً على اتفاق بين إثيوبيا وحكومة "أرض الصومال" مطلع كانون الثاني/يناير الماضي، يقضي بتأجير أديس أبابا ميناء "بربرة" من أرض الصومال لإيجاد منفذ لها على البحر الأحمر، وهو ما رفضته مقديشو وأنقرة، بوصفه "اعتداءً مباشراً على سيادة الصومال، وباعتباره يهدد بتأجيج الأوضاع وعدم الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي".

وقد أجرى الرئيس الصومالي شيخ محمود اتصالاً هاتفياً في 5 كانون الثاني/يناير الماضي بنظيره التركي الذي دعا إلى إنهاء "التوتر المثير للقلق بين الصومال وإثيوبيا على أساس وحدة أراضي الصومال"، مؤكداً أن "التعاون بين البلدين سيستمر تدريجياً"، كما أصدرت تركيا بياناً يؤكد رفضها واستنكارها الشديدين لمذكرة التفاهم التي وقَّعتها إثيوبيا مع حكومة أرض الصومال، لأنها "اعتداء على حقوق الشعب الصومالي ومصالحه"، وهو ما يعني أيضاً أن الاتفاق يهدف إلى ردع جهود إثيوبيا للوصول إلى البحر عبر أرض الصومال الانفصالية، ويعزز الحضور التركي المتصاعد في القارة الأفريقية الذي تعزز منذ تأسيس أكبر قاعدة عسكرية تركية في الخارج "معسكر تركسوم" في العاصمة مقديشو لتدريب الجيش والشرطة الصوماليين في 30 أيلول/سبتمبر 2017. قبل ذلك، حصلت أنقرة مطلع العام 2014 على حق إدارة ميناء مقديشو لنحو 20 عاماً.

الحضور التركي المتمدد في أفريقيا عموماً، والصومال على وجه الخصوص، ليس وليد لحظة توقيع الاتفاق الدفاعي بين البلدين، ويمكن التأسيس له منذ العام 2002، مع وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة. عام 2005، أعلنت تركيا أنه "عام أفريقي". وعام 2010، عقد مؤتمر في إسطنبول لدعم العلاقات 2010 بين تركيا والصومال. 

وعندما كان الرئيس التركي الحالي رجب طيب إردوغان رئيساً للوزراء في تركيا، زار الصومال في 19 آب/أغسطس 2011، وكانت هذه الزيارة هي الأولى لمسؤول تركي بهذا المستوى منذ 20 عاماً، واستغرقت يوماً واحداً، واصطحب فيها عائلته و5 وزراء و50 صحافياً. وبعدما أصبح رئيساً للجمهورية التركية، عاد في إطار تعزيز الدور التركي في 25 كانون الثاني/يناير 2015 لزيارة مقديشو مرة أخرى.  

ووقَّعت أنقرة عام 2020 اتفاقية للتنقيب عن الغاز والبترول في المياه الصومالية، وتوسطت بين الصومال وكينيا للتوصل إلى اتفاق ترسيم الحدود البحرية المشتركة بينهما، وأنشأت أنقرة قاعدة فضائية في الصومال بكلفة 350 مليون دولار لإطلاق الأقمار الصناعية منها. 

وتُرجمت العلاقات الأمنية والعسكرية بين تركيا والصومال بشكل أوضح في نهاية العام 2022، عندما كشف حسين معلم محمود، مستشار الأمن القومي للرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، عن مشاركة الطائرات المسيرة التركية "بيرقدار 2" في الحرب التي تشنّها بلاده على "حركة الشباب".

يأتي توقيع الاتفاق الدفاعي بين تركيا والصومال ضمن سياق الاستراتيجية التركية لتوسيع حضورها ونفوذها في القارة الأفريقية وتنويع علاقاتها الاقتصادية وفتح أسواق واستثمارات جديدة في أفريقيا، وتحديداً الصومال وجيبوتي، والتمدد خارج الجغرافيا التقليدية للدور والحضور والنفوذ التركي.

وتستهدف أبعاد الاتفاق توسعة التعاون العسكري والأمني الثنائي بين تركيا والصومال، ولا سيما أنه يستهدف أيضاً التدريبات العسكرية المشتركة، كتدريب "كتائب جرجور" التي تعد نواة الجيش الصومالي، وتقديم المعدات اللازمة للقوات الصومالية، بما في ذلك الطائرات المسيرة التركية "بيرقدار"، إضافة إلى تبادل المعلومات الاستخبارية والتعاون ضد الإرهاب، الأمر الذي يعزز الدور التركي دولياً وعالمياً في أفريقيا، ولا سيما عقب تراجع الحضور الأوروبي عموماً، والفرنسي على وجه الخصوص، في القارة الأفريقية. ومن بين أبعاد توقيت الاتفاق المشار إليه أنه يأتي قبيل مغادرة قوات حفظ السلام الأفريقية "أتميس" الصومال في كانون الأول/ديسمبر 2024.

سيساهم الاتفاق الدفاعي بين تركيا والصومال في تعزيز الدور التركي لتصبح فاعلاً إقليمياً مهماً في القارة الأفريقية، ويجعلها ضمن سياسة "الحزام الآمن" التركية التي أعلنها إردوغان عقب فوزه بالانتخابات الرئاسية الأخيرة في أيار/مايو 2023، والتي تقضي بمدّ النفوذ التركي إلى الأقاليم المهمة المحيطة بتركيا كافة.

الاتفاق الدفاعي بين تركيا والصومال يعني أن تركيا ستكون حاضرة في جغرافيا واحدة من أهم الدول الأفريقية التي لم تكن محلّ اهتمام دولي طوال العقود الثلاثة الأخيرة، على الرغم من أهميتها الاستراتيجية وموقعها اللوجستي في القارة الأفريقية. يُذكر أنّ تركيا تدير عدداً من الموانئ البحرية والجوية الرئيسية في مقديشو، إذ بنت وأدارت مطار مقديشو، وهذا يوفر 80% من عائدات الحكومة الصومالية.

وبالتالي، فإن الاتفاق يعني أن تركيا ستكون موجودة في البحر الأحمر ومتمددة فيه، ولن تكتفي بسواحل الصومال التي تمتد من المحيط الهندي وخليج عدن وباب المندب، مع كل ما يترتب على ذلك من تداعيات تمسّ الأمن القومي العربي والأفريقي والعالمي أيضاً، وهو ما تنبّهت له الولايات المتحدة الأميركية، فذهبت بعد أسبوع واحد فقط من الاتفاق الدفاعي بين تركيا والصومال إلى توقيع اتفاق أمني مع الصومال في 15 شباط/فبراير الجاري، تعهَّدت بموجبه واشنطن بتوفير تدريب وتأهيل عالي المستوى للجيش الوطني الصومالي، وتطوير قدرات لواء دنب المعروف محلياً باسم "قوات البرق"، لتمكينه من مواجهة التحديات الأمنية للبلاد؛ وذلك إلى جانب بناء 4 مراكز تدريب عسكرية في مقديشو وبيدوا وجوهر وطوسمريب وكيسمايو.

الاتفاق الدفاعي بين تركيا والصومال سيعزز حضور الصومال في المشهد الدولي والأفريقي وقدرته على مواجهة التحديات الداخلية والتصدي لأطماع إثيوبيا في سواحل الصومال، وخصوصاً أن هناك اتفاقاً أمنياً آخر جديداً بين الصومال وواشنطن، وبالتالي سيصبح الصومال الذي تجاهله العالم طوال العقود الماضية بوابة لتحديد ملامح خارطة التفاعلات الإقليمية والدولية في القارة الأفريقية والبحر الأحمر.

عطفاً على كلّ ما سبق، فإن الاتفاق الدفاعي بين تركيا والصومال يأتي أيضاً على حساب الدّور والحضور العربي في القارة الأفريقية. 

 

 

ثابت العمور ـ الميادين

 

 إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الثبات وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل