موظفو الدولة أيتام على مأدبة النظام ـ عدنان الساحلي

الجمعة 09 شباط , 2024 12:43 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات
يتسابق موظفو الدولة في قطاعاتها المختلفة، بالنزول إلى الشارع لرفع أصواتهم، التي بحت من كثرة المطالبة بانصافهم واعادة قيمة رواتبهم، إلى حدود تكفي حاجاتهم الحياتية الضرورية، بعدما أدى الإنهيار المالي الناتج عن فساد الحاكمين، إلى تآكل قيمة العملة الوطنية وتراجع القدرة الشرائية للمواطن؛ وللموظف خصوصاً، عشرات المرات.
واللافت، أن التحركات المطلبية التي كانت تقودها النقابات والإتحادات العمالية والقطاعية، شبه غائبة، بعدما تمكن أهل السلطة والحكم من تدجينها والسيطرة على قرارها، كما شرزمت بقية قطاعات موظفي الدولة، بين مدني وعسكري؛ وبين متقاعد وعامل في الخدمة الفعلية، فباتت التحركات في أغلبها للمتقاعدين العسكريين ولرابطة موظفي الدولة والمعلمين، الذين إنهارت رواتبهم، نتيجة الفساد الذي مارسه الحاكمون طوال العقود الماضية، حيث صرفوا أموال الخزينة العامة وراكموا ثروات وأشتروا ازلاماً ومحاسيب. فيما تولى أصحاب المصارف تنفيذ القرار الأميركي، بتجفيف لبنان من العملات الصعبة، عبر تهريبها إلى الخارج والإستيلاء على أموال المودعين، فحرم اللبنانيون من مدخراتهم ومن تعويضاتهم الوظيفية، لأن الهدف هو إفقارهم وتجويعهم وفرض إذعانهم للمطالب الأميركية والمطامع "الإسرائيلية"، التي باتت معروفة من القاصي والداني.
وعلى مدى عهود الحكومات الأخيرة، جرى تنفيذ مطالب صندوق النقد الدولي كلها، من رفع الدعم عن السلع الأساسية وتحرير سعر الليرة وغيرها، بما في ذلك التخلص من 30 في المائة من موظفي القطاع العام، بعدما أتخم الحاكمون هذا القطاع بأزلامهم ومحاسيبهم، قبل الإنتخابات النيابية، في رشوة للناس، حيث جرى توظيف آلاف المواطنين في مختلف الأسلاك المدنية والعسكرية والأمنية. وسرعان ما إرتفعت الأصوات بالشكوى، من أن ما جرى يثقل على الموازنة العامة ويرهقها ويضعها في عجز. وكان الكلام علنياً، بأن إصلاح هذا "الخطا" يتم برفع سعر الدولار الأميركي تجاه الليرة. كما بدأ الحديث عن الحصول على مساعدات وقروض وهبات مالية من الخارج، أبرزها من صندوق النقد الدولي، مشروطة بما سمي زوراً إصلاحات، لكنها في الحقيقة تدفيع للفقراء ثمن الهدر والسرقة الذي مارسه الزعماء والنافذون. وهكذا تخطى تجرؤ "الدولة" على الناس كل الحدود، حتى وصل الأمر إلى أن بات المواطن عموماً وموظفي الدولة خصوصاً، يدورون في حلقة مفرغة.
والواقع أن ما نفذ خلال السنوات الأخيرة، هو ما جرى الحديث عنه سابقاً، مثل تجميد زيادة الرواتب والأجور لمدة 3 سنوات، بدءاً من عام 2020، زيادة الحسومات التقاعدية، زيادة أسعار الكهرباء وإلغاء دعمها تدريجياً لتصبح صفراً في عام 2022، رفع معدل الضريبة على القيمة المضافة على الكماليات؛ ورفعها تدريجياً على بقية السلع الخاضعة للضريبة، اللجوء إلى المزيد من الديون الخارجية، تحرير القطاع العام وإشراك القطاع الخاص في الملكية العامة والإدارة. ولعل هذا البند الأخير هو سبب معاناة موظفي الدولة، هذا إذا صح تسميتها بالدولة، لأن الفوضى والفلتان أصابا كل مؤسساتها.
وضعت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي وسابقاتها، موظفي الدولة تحت مقصلة الإفقار والتجويع، فيما قامت أمنياً بمطاردة بعض الموظفين المرتشين، أي أنها تدفع الموظف ليرتشي، ثم تعاقب الموظف غير النافذ وغير المحمي إذا ارتشى. والهدف تطفيش الموظفين لتنفيذ شرط صندوق النقد بطرد 30 في المائة من عديد القطاع العام. لكن الذي جرى أن الحكومة ذاتها، أقفلت أبواب الخروج أمام الموظفين. صحيح أن نسبة كبيرة من موظفي الدولة غادروا أسلاكهم، إما بالتقاعد أو بالوفاة أو بالهجرة. لكن الباقين باتوا أسرى لدى الحكومة، فلا هم قادرون على ممارسة أعمالهم الوظيفية، لأن رواتبهم بالكاد تغطي مصاريف الإنتقال ولا تكفي لإطعامهم، لأن الزيادات غير الرسمية على رواتبهم لا تغطي ولو نسبة قليلة من حاجاتهم. والموظف الذي كان يتلقى راتباً يوازي الفي دولار أميركي (على سبيل المثال) قبل الأزمة، بات يحصل بعد العطاءات (لأنها ليست زيادات رسمية) على أقل من مائتي دولار. وهذه الزيادات لم تدخل في صلب الراتب، اي أنها لا تدخل في تعويض نهاية الخدمة، مما يمنعه من تقديم إستقالته والخروج من اسر الدولة له. كما أن المتقاعد لا يحصل على تعويضه، في حال بلوغه السن القانوني، فمن جهة تتمنع المصارف عن صرف هذا التعويض الزهيد، هذا إذا رضي به صاحبه، لأنه لا يكفيه للعيش بعد عشرات السنين من خدمته للدولة. ومن جهة ثانية، لا يحصل المتقاعدون من القطاعين الخاص والعام، إذا كانوا خاضعين للضمان الإحتماعي على تعويضاتهم، لأن أموال تلك التعويضات المودعة في مصرف لبنان؛ وهي بآلاف المليارات، لحقت بأموال الخزينة المسروقة والمهدورة، أو المهربة إلى الخارج.  
كل ذلك والحكومة تضاعف نسب الضرائب عشرات المرات. وتحجم عن تعديل الرواتب وزيادتها. وهي نجحت في دق آسفين التفرقة بين أسلاك القطاع العام بين مدني وعسكري، وبين متقاعد ومستمر في الخدمة؛ وبين قاض واستاذ جامعي، بحيث سعى كل قطاع على حدى، لتحسين أوضاع العاملين فيه وتحقيق مكاسب خاصة، لا تشمل سائر العاملين في القطاع. وحسب رابطة موظفي الإدارة العامة "نجح العسكر بتأمين دخل إضافي من خلال مساعدات خارجية، او من خلال رسوم استثنائية غير مجازة بموجب قوانين. ونجح القضاة بذلك أيضا، من خلال الاضراب او الاعتكاف وكذلك أساتذة الجامعة اللبنانية والمعلمين، من خلال جهات مانحة ومن خلال الخزينة العامة، عبر سلف خاصة وكذلك العاملون في بعض المؤسسات العامة. وبقي العاملون في الإدارة العامة على متوسط دخل لا يتجاوز ال٢٠٠$ بالاجمال وكذلك المتقاعدين". واعتبرت الرابطة أن  العطاءات التي حصل عليها موظفوا الإدارة "حولتهم من موظفين دائمين إلى عمال مياومين، مسلوبي الحقوق المنصوص عنها في قانون الموظفين، بحيث يخسرون نسبة من دخلهم مع كل يوم غياب مبرر، لأي سبب كان، من اجازات إدارية أو مرضية او اجتماعية. والأخطر من ذلك يخسرون كامل الزيادة في حال غيابهم دون عذر مبرر كتعرضهم لحادث طارئ". والأخطر الذي سيعاني منه اللبنانيون وموظفو الدولة خصوصاً، أنهم خسرواً كثيراً من حقوقهم الإنسانية، مثل حق السكن، حسب قوانين الإيجارات الجديدة؛ وحق التعلم، بعدما بات لأبناء الأثرياء فقط، نتيجة التآمر على التعليم الرسمي؛ وحق الطبابة، لأن الفقراء يموتون على أبواب المستشفيات، التي لا تقبل إلا "الفرش دولار"؛ ونتيجة تعطيل خدمات الضمان الإجتماعي. كما سقط حق العمل، بعدما انتشرت البطالة واستقوى أرباب العمل في القطاع الخاص. وكأن هدف الحاكمين تطفيش اللبنانيين وطردهم من بلدهم، لتنفيذ الأوامر الأميركية بتوطين اللاجئين ودمج النازحين.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل