حرب غزة تحوّل "البطة الأميركية العرجاء" إلى كسيحة ـ أمين أبوراشد

الأربعاء 07 شباط , 2024 09:06 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات

مرحلة "البطة العرجاء" تُطلَق في أميركا على السنة الأخيرة من ولاية كل رئيس، وبدء الانتخابات التمهيدية في السباق الى البيت الأبيض لأربع سنوات مقبلة، ويختار كل من الحزبين الديمقراطي والجمهوري مرشحه على ضوء نتائج الجولات الانتخابية في الولايات المحسوبة تاريخياً لكل حزب. وسبب تسمية هذه الفترة بالبطة العرجاء، أن الرئيس يُحجِم عن اتخاذ قرارات مصيرية قد يدفع ثمنها حزبه في الانتخابات المقبلة، بل يدفع هو شخصياً إذا كان وضعه كالرئيس بايدن يسعى للفوز بولاية ثانية، خصوصاً إذا كان خصمه المتوقَّع بمستوى الرئيس السابق دونالد ترامب الذي يمتلك  (Ego) غير متوفرة لدى بايدن في استقطاب الجماهير، سيما أن بايدن يمضي آخر سنة من ولايته كما البطة الكسيحة.

وفيما يُركِّز الخصم المُرشَّح عادةً على سلبيات عهد الرئيس الحالي، سواء على المستوى الداخلي أو على أداء السياسة الخارجية، فإن ترامب خسر الانتخابات أمام بايدن عام 2020، على خلفية تقصير الأول في مواجهة وباء كورونا، الذي راح ضحيته 320 ألف شخص، وعجزت أميركا، الأولى عالمياً في المجال الصناعي، عن توفير الكمامات لمواطنيها، إضافة الى الانكماش الاقتصادي الذي تأثرت به أميركا خلال فترة انتشار الوباء؛ أسوة بكل دول العالم.  

شخصية ترامب "الاستثنائية" أهّلته عام 2016 للفوز على هيلاري كلينتون، واعتبره الأميركيون ذلك الكاوبوي القوي القادم من عالم الأعمال، البعيد عن الأندية السياسية التقليدية، لكن الكثيرين انقلبوا عليه في العام 2020 واختاروا جو بايدن، بالنظر الى خطاب ترامب السياسي المتعجرف، وتهكمه الدائم على الآخرين، وتصرفاته الأقرب الى زعيم ميليشيا، خصوصاً عندما تحرك أنصاره في عدة اقتحامات لمرافق حكومية اعتراضاً على فوز بايدن، وهو حالياً يواجه إحدى وتسعين قضية في محاكم أربع ولايات، ولغاية الآن ما زال مقتحماً السباق الانتخابي عن الحزب الجمهوري، واستهل حملته بالتهكم على بايدن خلال مهرجان انتخابي، وقام بتمثيل مشهدية عن عدم تركيز بايدن خلال مغادرته أي منبر، حيث يحتار من أين يخرج ويتأرجح بين اليمين واليسار، ثم يحاول الدخول في الحائط!

والرئيس بايدن يواجه ما لم يواجهه الكثير من أسلافه خلال مرحلة "البطة العرجاء"، لأنه داخلياً يواجه أزمة إقرار الميزانية التي يراها البيت الأبيض خلافاً لرؤية الكونغرس، خصوصاً ما يرتبط بالمساعدات المقررة لأوكرانيا و"إسرائيل"، إضافة الى أزمة الحدود المُشرَّعة لدخول المئات من المكسيكيين يومياً بطريقة غير شرعية، فيما ولاية تكساس رفعت علم الاستقلال عن الولايات المتحدة، تماماً كما فعلت ولاية كاليفورنيا عند فوز ترامب على هيلاري كلينتون عام 2016، ومع استحالة حصول أي ولاية على استقلالها بالنظر الى التعقيدات الفيدرالية التي تحول دون الانفصال حالياً، لكن كاليفورنيا لم تشهد توتراً عسكرياً بين القوات الفيدرالية ووحدات أمن الولاية كما يحصل الآن في تكساس.

على المستوى الخارجي، لم تكن لترامب سقطات كبيرة باستثناء الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني، والتوتر الذي شهدته العلاقات الأميركية مع الدول الأوروبية في ما يرتبط بتمويل حلف الناتو، لكن بايدن يواجه ملفات خارجية قاسية تجعله حائراً في كيفية الخروج منها، من الشمال أم من اليمين، لتنتهي الأمور به الى الدخول في الحائط.

بايدن متهم من ترامب علناً بأنه "سمح" للرئيس الروسي باجتياح أوكرانيا، وأنه "عجِز" عن منع "حماس" من مهاجمة "إسرائيل"، ولم يستطع ردع الحوثيين عن الاعتداء على خط الملاحة الدولية في البحر الأحمر، يُضاف الى ذلك ضعف الإدارة الأميركية في عهد بايدن بخصوص النزاع في بحر الصين، على حد تعبير ترامب، والإفراج عن بعض الأرصدة الإيرانية التي كانت مُجمَّدة في مصارف كوريا الجنوبية بقرار أميركي.

والسباق الى البيت الأبيض في العام 2024 يختلف عن سابقيه، وللعدوان على قطاع غزة ارتداداته على الشارع الانتخابي الأميركي، وإذا كان أي مرشح رئاسي عاجزاً عن إغاظة اللوبي الصهيوني الأميركي والمؤسسات اليهودية، فإن الجاليات العربية والإسلامية التي دعمت بايدن عام 2020 انقلبت عليه نتيجة دعمه العدوان على غزة، خصوصاً في الولايات المتأرجحة التي يُعتبر الصوت العربي والإسلامي فيها حاسماً، وهي ولايات: مينيسوتا، ميشيغان، أريزونا، ويسكنسون، بنسلفانيا وفلوريدا، ومهرجانات الزعماء البارزين للجاليتين في هذه الولايات تدعو لعدم التصويت لبايدن، مع اعتبار ترامب أسوأ منه في الموقف من العدوان على غزة وتأييده القضاء على المقاومة الفلسطينية، مع احتمال الدعوة الى تجيير الأصوات العربية والإسلامية الى أي مرشح مستقل عن الجمهوريين والديمقراطيين.

واستفاقة إدارة بايدن لضرورة فرض هدنة في قطاع غزة لمدة أربعة أشهر، لتحرير الرهائن والتخفيف من حدة العنف "الإسرائيلي" في الضفة الغربية، جاءت على خلفية القرارات الصادرة عن محكمة العدل الدولية في دعوى الإبادة التي أقامتها دولة جنوب إفريقيا، وتفاعل بعض الحكومات الأوروبية مع هذه القرارات لتهدئة الشوارع الجماهيرية المُطالِبة بإنهاء العدوان، والشارع الأميركي ليس بعيداً في ردة فعله أيضاً عن ضرورة عدم تورُّط حكومته بعدوان كهذا؛ قد يؤدي إلى حرب شاملة على الجبهات اليمنية والعراقية واللبنانية والسورية، لكن يبدو أن نتانياهو يأمل بتمديد الحرب مادامت تمدد له سياسياً؛ بانتظار وصول صديقه ترامب إلى البيت الأبيض في بداية العام 2025.

وإذا كان وصول ترامب متوقعاً نتيجة خيبات بايدن، فإن التغييرات على الأرض الفلسطينية وفي مياه البحر الأحمر لن تكون لصالح "إسرائيل" وأميركا، سواء بقي بايدن أو فاز ترامب، لأن الفلسطيني الذي فقد سقف أمانه في قطاع غزة، هو كما اليمني الذي يقاتل حافي القدمين، والرابح هو عادة كل مَن ليس لديه ما يخسره، ولن تستقدم "أميركا ترامب" من البوارج والمدمرات أكثر مما استقدمت "أميركا بايدن"، وخريطة فلسطين دخلت مرحلة ترسيمها بفضل بندقية مقاوِمَة، حتى ولو كان حاملها من ساكني خيمة من النايلون في فلسطين، أو ساكن مغارة حافي القدمين في مغاور جبال اليمن.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل