سبعة أعوام على الرحيل.. والعربية تفتقدكم

الإثنين 18 كانون الأول , 2023 11:22 توقيت بيروت ثقافة

الثبات ـ ثقافة

رحل الشيخ عبد الناصر جبري (رحمه الله تعالى) ورحلت معه بهجة العربية، كيف لا وهو الذي بقي مهتماً بها طيلة رحلته الدعوية؟ أسس مجلسها الذي غاب بعد غيابه؛ ولم يعد له ذلك الزخم الواسع، والأثر الطيب الذي كان يجسده الشيخ جبري (رحمه الله تعالى)، حيث قال في المؤتمر التاسع: "يسعدنا أن نلتقي في مؤتمرنا التاسع في هذه الصبيحة المباركة، هذا المؤتمر ينعقد مع علماء من خمس عشرة دولة من دول العالم العربي والإسلامي والأوروبي، يمثلون جامعات مختلفة، ومؤسسات بحثية وأكاديمية متعددة، والتي سنناقش بإذن الله ـ سبحانه وتعالى ـ موضوعاً مهماً يكتسي خصوصية تنطلق من الزمان والمكان الذي تنعقد فيه هذه الندوات العلمية، ننطلق في وقت نشعر فيه بخطر يلامس لغتنا التي تمثل أمننا ووجودنا، وقد شرفها الله ـ تبارك وتعالى ـ برسالة صدقت رسالاته السابقة وهيمنت عليها، ولذلك فلا يمكن أن يسمح بالذوبان في ثقافة وهوية الآخر، ونلتقي في هذا البلد العربي المقاوم، والذي هو جزء من بلاد الشام، وكان ولا يزال المعبّر عن طموحات الأمة في أن تدخل فلسطين فاتحة منتصرة لتصلي في المسجد الأقصى وكنيسة القيامة، نلتقي في رحاب اللغة العربية، لغة القرآن الكريم، ولغة حضارة الأمة، التي سادت البشرية قروناً عديدة، فهي لغة الشعب العربي، ولسان الأمة المترامية الأطراف، بكل أطيافها العرقية، ومذاهبها المتعددة، وطوائفها المتنوعة، وألوانها المختلفة، فاللغة العربية هوية الأمة وحضارتها، وأساس مرتكزاتها، ومقومة ثقافتها، ورمز تراثها، وعنوان وجودها، والتطلع من خلالها لمستقبلها الزاهر، وما تغريب لسان أمتنا إلا عنصر من عناصر الإبادة لسحق شخصيتها، وإعدام وجودها، وما مظهر العولمة المادية والتي يروج لها الغرب ويريد أن يبسطها على العالم إلا لتستلحق به الثقافة والهوية والحضارة، التي ساهمت كل الأمم في بناءها، وسهرت على إيجادها، وكذلك فإننا نقف وقفة امتناع وتحد لكي تذوب هذه الأمة في ثقافة غيرها، وعادات عدوها، وإن هذه الأمة لا يمكن أن تكون لغتها تبعاً للغة الآخرين، بل هي حقيقة، وهذه الحقيقة قوتها مستمدة من القرآن الكريم، وإننا اليوم أمام تحد كبير من الدول الغربية، وها هم يسخرون كل القوى الإعلامية والمادية، والنعرات العنصرية من الطائفية والمذهبية والعرقية وغيرها؛ لرعاية الصراعات الدموية، فهذا كله تكريس لمحاولة تحطيم أمتنا، بأيد عربية وتخطيط ودعم غربي، بلسان ديني مزور أو عربي مغرب، فلا يستطيع بعد أن يقول لا في وجه المخططات الصهيوـأميركية؛ لتعميم الفوضى والقتل والدمار الذي يريده الغربي الحاقد فينا، فمن المؤسف جداً أن نرى أبناء لغة حضارتنا في الصراعات الدموية العصبية الجاهلية، وأخشى أن تكون لمائة سنة قادمة كما رسم كيسنجر وأمثاله من الصهاينة الغربيين، فيكون بذلك قد وقع علينا قول الله ـ تبارك وتعالى ـ: {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وأَيْدِي المُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ} [الحشر/ 2]، يريدون سحق الإنسان؛ لأجل انتصار الثقافة المادية التي تعتمد على غطرسة القوة، وسيطرة الغطرسة، وتحكم الوفرة والثروة في عمل الإنسان، دون النظر في كنهه وذاته.
لقد نجح أعداؤنا حتى الآن في أن يضع أمتنا موضع التبعية والتأثير وتسريب حملة من الرؤى والمفاهيم والمصطلحات الواحدة، التي أضحت تحد مسارنا الحياتي في إطار ظاهرة الاستلاب الحضاري، والغزو الفكري، مما جعلنا ننجر إلى الانقسام والاقتتال الداخلي دونما وعي أو إدراك.
أيها العلماء والمفكرون: الموقف دقيق يتطلب وقفة جادة؛ لاستجماع عناصر المواجهة والانتصار، بإعداد العدة، وابتكار الخطط والوسائل؛ لتأكيد هويتنا، والاعتزاز بأصالتنا، والاستفادة من اللغة العربية، ودورها في إعادة اللحمة بين أبناء الأمة الواحدة، ونشر المحبة والثقافة الربانية في ربوع بلادنا والعالم كله، وتعزيز الهوية، وتحقيق الذات، والتأكيد على الدور الحضاري، والأخذ بأفراد الأمة؛ لمقاومة الظروف القاسية التي يعيشون فيها، وبهذا الزمن البائس الذي يصحبه توحش حملات الفرنجة الشرسة، فإدارة الأخطار المحدقة بنا وتقويمها بالثقافة والهوية والذات والوجود، فلا يمكن أبداً أن يسمح لأمة اللغة العربية وما تحمل من المعاني الكبيرة والعظيمة أن تذوب أو أن تضيع ولو ضعفت لبعض الوقت.
أيها الإخوة: إن وجود أمثالكم في هذه الأمة لفيه الأمل الكبير، والعطاء الوفير، فنسأل الله ـ تبارك وتعالى ـ أن يبارك بكم، وأن يبارك بأجيالنا الصاعدة". وهنا يختم الشيخ الدكتور عبد الناصر جبري ـ رحمه الله تعالى ـ خطابه في المؤتمر التاسع، بانياً آمالاً كبيرة على الجيل الصاعد، والذي يرسم أعز وأغلى طرق الانتصار العظيم، عبر بوابة القدس وفلسطين، ومن خلال معركة طوفان الأقصى؛ ليكونوا بذلك مشعل نور للعربية وأهلها.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل