مئوية المؤرخ والمناضل الفلسطيني إميل توما

الثلاثاء 19 تشرين الثاني , 2019 01:13 توقيت بيروت ثقافة

الثبات ـ ثقافة

أحيت مدينة حيفا داخل أراضي 48 الذكرى المئوية لميلاد المؤرخ والمناضل الفلسطيني إميل توما، في احتفالية مهيبة نظمها معهد إميل توما للدراسات الفلسطينية وبرعاية وزارة الثقافة الفلسطينية.

وعقدت الاحتفالية التي أدارتها الفنانة أمل مرقص في موقع نادي حيفا الثقافي ورافقها معرض توثيقي وتاريخي يعكس محطات مهمة في تاريخ هذا المؤرخ والقائد الوطني والشيوعي المؤسس ومجالات عطائه الكبير ومحطات حاسمة في تاريخ الشعب الفلسطيني في أصعب مراحل وتخلل الاحتفالية عرض فيلم وثائقي قصير يحمل اسم «جذور القضية الفلسطينية» أعد خصيصًا لهذه المناسبة ويشتمل على لقطات نادرة من مقابلات مع إميل توما.

ويحمل الفيلم اسم الكتاب المرجعي الشهير لدراسة القضية الفلسطينية، وقد أنتجه معهد إميل توما للدراسات الفلسطينية في حيفا بالتعاون مع السينمائي الفلسطيني قيس الزبيدي المقيم في ألمانيا، علمًا بأن المؤرخ الراحل قد وضع السيناريو الخاص به عام 1984.

أوضحت اللجنة التحضيرية للاحتفالية أن «تقديم هذا القائد الفذ والإنسان الكبير الى أجيال جديدة ومتجددة من أهلنا وأبناء شعبنا وكل القوى التقدمية الذين ولدوا وكبروا بعد رحيل إميل توما، ووجدوا أنفسهم في خضم بحر هائج من الصراعات والعدوان والمؤامرات على قضايانا الوطنية والقومية والإنسانية والاجتماعية، دون أن يقيَّض لهم معاصرة هذا القائد والمفكر، منوهة الى أن الراحل توما عرف كيف يطوع النظرية الثورية ليجعلها سلاحًا حاسمًا في أيدي الجماهير المكافحة من أجل حقوقها الوطنية والطبقية، وأداة فعالة لتحليل قضاياها والصدام مع ثلاثي الإمبريالية والصهيونية والرجعية العربية».

السيرة والمسيرة

ولد الراحل إميل توما في حيفا في 16 آذار 1919. والده جبرائيل حنا توما، ووالدته ماري حبيب خوري، ولم تعرف عائلته الحيفاوية وطنا آخر.

تلقى دراسته الابتدائية في مدرسة الطائفة الأرثوذكسية في حيفا وأتم دراسته الثانوية في سنة 1937 في مدرسة المطران جوبات التبشيرية الإنكليزية الداخلية في القدس وأثناء دراسته الثانوية انجذب الى النشاطات الطلابية الوطنية والى المفاهيم التقدمية الإنسانية وعبرها الى الحركة الشيوعية، متأثرا بالمد الثوري للحركة الوطنية الفلسطينية وبأستاذ اللغة العربية في المدرسة الأديب التقدمي رئيف خوري وزميله الصحافي الشيوعي عبد الله بندك.

 ثم التحق بجامعة كيمبريدج للحقوق في بريطانيا سنة 1937، وفي نيسان 1939 شارك ممثلا لرابطة الطلبة العرب في فلسطين في المؤتمر الدولي للطلاب الذي عقد في باريس وحال اندلاع الحرب العالمية الثانية في أيلول 1939، دون سفره إلى بريطانيا لمتابعة دراسته الجامعية، وفي أواخر 1939 انضم لصفوف الحزب الشيوعي الفلسطيني السري، وعمل بين الطلاب والمثقفين وكان مع رفيقه توفيق طوبي من مؤسسي نادي شعاع الأمل في أواسط 1942 وانتقلا بواسطته للعمل بين جماهير العمال والحركة النقابية وكان من العاملين على ظهور اتحاد نقابات وجمعيات العمال العرب في تشرين الثاني 1942 الذي ضم عشرات آلاف العمال العرب.

مع توفيق طوبي وإميل حبيبي

في أيلول 1943 بادر مع عدد من رفاقه وبينهم توفيق طوبي وإميل حبيبي وبولس فرح الى تأسيس عصبة التحرر الوطني وانتخب إميل توما أمين سر العصبة في 14 ايار 1944 أصدر «اتحاد نقابات وجمعيات العمال العرب» في حيفا جريدة «الاتحاد» الأسبوعية، لسان حال العمال العرب في فلسطين، وكان إميل توما صاحبها الرسمي ومحررها المسؤول.

واحتل إميل توما مكانا بارزا في الحركة الوطنية الفلسطينية وعمل مع رفاقه في عصبة التحرر الوطني على تدعيم التيار الوطني الديمقراطي في الحركة الوطنية الفلسطينية وخاصة بين المثقفين والطبقة العاملة وشارك مندوبا عن عصبة التحرر الوطني في مؤتمر الأحزاب الشيوعية في بلدان الإمبراطورية البريطانية في عام 1947 في لندن.

وقال عضو الكنيست الأسبق عصام خوري رئيس معهد «إميل توما» في حيفا أن الاحتفالية بهذه المئوية فرصة لها للتعرف على تراث اميل توما مؤرخ القضية الفلسطينية الذي صدرت مساهماته في 15 كتابا تناولت أهم القضايا التي ما زالت فاعلة ومؤثرة في حياة الفلسطينيين.

وأوضح أن فعاليات المئوية هذه تأتي بالتعاون بين معهد اميل توما في حيفا ووزارة الثقافة الفلسطينية، وتتواصل نشاطات المئوية بعد الانطلاقة في حيفا حتى شهر آذار المقبل باحتفاليات أخرى في مختلف أنحاء البلاد وفي مختلف أنحاء وجود الشعب الفلسطيني الذي كرس توما لقضيته جلّ حياته ونضاله ودراساته، تشمل الجليل والمثلث والنقب، وكذلك الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين وصولا الى أحد مخيمات اللجوء، في ارتحال عابر للحدود لملامسة ميراثه الكبير وتراثه الثوري والاطلاع على عطاء هذا القائد المعلم والمفكر المعطاء الذي دمج بين الفكر والممارسة بشكل عضوي، معتبرا أن من عظمة اميل توما أنه تمكن منذ مطلع شبابه، بحسه الثوري وثقافته الشاملة ومستنيرا بنظرية الفهم المادي للتاريخ من التقاط الواقع بأعقد صوره وتطويعه وتشريحه وتحليله وعرضه على عامة الشعب مرفقا بالتوجيه الصحيح، وتحويل الفكرة والتحليل العلمي الى قوة سياسية، والى برنامج كفاحي واضح المعالم للتغيير الثوري تدركه وتقتنع به جماهير العمال والفلاحين وعامة الشعب، يدغدغ آمالها ويحفزها على النضال لتحقيق طموحاتها التحررية.

ومن المفارقات أن يكون عام 1919 هو عام ولادة القائد الوطني والشيوعي الكبير إميل توما في حيفا، وهو الذي سيلعب لاحقا دورا قياديا بارزا ومتميزا على مستوى الحركتين الوطنية الفلسطينية والشيوعية في فلسطين على مدار عشرات السنين.

واعتبر أن التاريخ يسجل لإميل توما أنه اقتحم الواقع المعقد والمؤامرات الدولية الهائلة على مستقبل شعبه الفلسطيني وعلى وطنه فلسطين مع مجموعة من رفاقه الرواد الشباب أبرزهم توفيق طوبي وإميل حبيبي وفؤاد نصار ومعهم الشيوعي القديم بولس فرح ليبنوا المؤسسات وآليات الكفاح الوطني، لتكون بديلا عن آليات السياسة التقليدية المتماشية مع نهج القيادة التقليدية المهادنة للرجعية العربية والمسايرة لحساباتها، وانعكس ذلك في تأسيس عصبة التحرر الوطني، وقبلها تأسيس نادي شعاع الأمل في حيفا، والنقابات المستقلة، وإصدار جريدة الاتحاد في 14 أيار 1944، التي كان اميل توما رئيس تحريرها الأول ومحررها المسؤول بالتتالي مع توفيق طوبي وهي الجريدة التي ما زالت تصدر في حيفا حتى اليوم كجريدة يومية وحيدة ناطقة بلسان الحزب الشيوعي باللغة العربية ومع كونها شيوعية فقد صدر عددها الأول عام 1944 ، وقد ازدان صدر صفحتها الأولى بآية قرآنية « فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ».

وقال مخول إن هؤلاء الشيوعيين الشباب حولوا جريدة « الاتحاد « ومن بعدها مجلة الجديد ومجلة الغد للشباب ومجلة الدرب ومختلف المؤسسات الثقافية، لتكون الحاضنة الوطنية الأساسية لبلورة الفكر السياسي والثقافة الوطنية والاجتماعية للأقلية القومية التي بقيت في وطنها بعد نكبة الشعب الفلسطيني.

كما قال إنها كانت ولادة أدب المقاومة والصمود وولادة شعراء المقاومة وأدبائها وولادة ثقافة الكف التي تلاطم مخرز الظلم والاضطهاد القومي، وفتحت النوافذ والأبواب على مصاريعها على الثقافة التقدمية العالمية والفكر الأممي المقاوم للعنصرية في كل مكان وانتقلت بالأقلية القومية الفلسطينية الباقية في وطنها من نفسية النكبة الى نفسية المواجهة والصمود. وتابع مخول «إن إقصاء إميل توما عن مواقع القيادة العليا في الحزب الشيوعي الاسرائيلي حتى أواسط ستينيات القرن الماضي لم يكن مبررا، وقد يحتاج كلمة يقولها الحزب في مناسبة مرور قرن على ولادة اميل توما في تزامن مع مرور قرن على نشوء الحركة الشيوعية في البلاد».

إميل توما والعصبة وقرار التقسيم

كان إميل توما أبرز قادة عصبة التحرر الوطني الذين عارضوا قرار التقسيم في 29  تشرين الأول 1947، وهو القائد الوحيد في العصبة الذي عارض قرار التقسيم من دون ان يعتكف عن العمل السياسي الجماهيري الوطني والشيوعي مستقبلا كما فعل آخرون.
 


مقالات وأخبار مرتبطة
الانتخابات الجرائرية
بــالـمـنـــــامــــــة.. أشباه رجال دين  بـاعــوا فلسطـــين
انتفاضة 1987.. عندما تكلم الحجر
كيف تعرف أهل الحق فــي زمــن الفـتـن؟
من ذاكرة التاريخ

عاجل