"قيس سعيد" .. هل يكون أردوغان النسخة العربية أم بورقيبة جديد؟ ـ فادي عيد

الأربعاء 16 تشرين الأول , 2019 11:10 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات

بعد إنتهاء الإنتخابات التونسية بفوز القانوني قيس سعيد (61عاما) بعد أن حصل على 72.71% من مجمل أصوات الناخبين، في حين أكتفى منافسه رئيس حزب "قلب تونس" رجل الأعمال وقطب الإعلام نبيل القروي (56عاما) بـ 27.29% من الأصوات، يمكن القول أن تونس باتت تشكل ترمومتر شمال أفريقيا وربما الشرق الأوسط كله منذ عام 2011، وأن نقرأ مضمون ذلك الزلزال السياسي وتداعياته على دول "الربيع العربي" تحديدا.

بالبداية يجب أن نسلط الضوء على الجنود المجهولين الذين كان لهم الفضل في صعود من كانوا مستبعدين من كل الحسابات والتوقعات الى الجولة الاخيرة من الإنتخابات، وفي فوز غير المتحزب الوحيد من بين المترشحين برئاسة تونس، وصاحب أقل تكلفة حملة دعاية إنتخابية في تاريخ المنطقة الأ وهو القانوني والأكاديمي قيس سعيد، حيث لم تتجاوز تكاليف حملته الإنتخابية 30 ألف دولار أميركي، وتمت إدارتها من شقة متواضعة مستأجرة في عمارة بشارع أبن خلدون في قلب العاصمة تونس، بعد أن رفض الحصول على أيّ تبرعات من رجال الأعمال، وإكتفت حملته بما جمعوه من مدخراتهم الخاصة البسيطة، وهنا الفضل يرجع لمدير الحملة رضا شهاب المكي المعروف بـ "رضا لينين" وهو أحد أبرز المناضلين اليساريين في جامعة الحقوق والعلوم السياسية في تونس، وهو سليل حركة الوطنيين الديمقراطيين (وطد)، ثم تطوع لإدارة حملة قيس سعيّد الإنتخابية وقاد حملته بتمويل متواضع في عدد من مناطق البلاد، وهو مشهد يعكس لنا مدى قوة الوعي السياسي في شريحة الطلاب بتونس، والدور الهام الذى تلعبه إتحادات الطلاب بتلك الجامعات لإفراز الكادر السياسي.

وعلى الجانب الأخر كانت السيدة الوطنية المجتهدة سلوى السماوي التى دخلت المجال السياسي دون إرادتها خير لسان وعقل لقيادة حملة زوجها الإنتخابية، وهو المسجون على ذمة قضايا فساد وعنينا به نبيل القروي، ولن ينسى الجمهور التونسي برغم خسارة نبيل القروي الجملة الشهيرة لزوجته مع بدء حملة الإنتخابات الرئاسية في تونس بداية سبتمبر/أيلول الماضي خلال تجمع شعبي في مدينة قفصة المحسوبة على المناطق الفقيرة المهمشة، عندمت قالت "نبيل في السجن، وكل التونسيين في السجن معا لإخراج تونس من سجن الفقر".

فمع وصول قيس سعيد ونبيل القروي الى إنتخابات الجولة الثانية اللذين اسقطا مرشحي فرنسا والولايات المتحدة الأميركية والإسلام السياسي بالضربة القاضية، فلم تفلح الحملات الفرانكفونية أو الأنجلوسكسونية لصناعة النجوم التى نفذتها فرنسا والولايات المتحدة الأميركية لكل من المرشحيني رئيس الوزراء الأسبق يوسف الشاهد والجنرال عبد الكريم الزبيدي مع الشعب التونسي، وبالطبع لم يصمد عبد الفتاح مورو مرشح التيار الإسلامي أمام الميراث البورقيبي، في ظل فشل تجربة الرئيس الأسبق المحسوب على جماعة الإخوان المسلمين المنصف المرزوقي، وبعد تورط حركة النهضة في إغتيال شخصيات تونسية سياسية وفكرية بارزة مثل شكري بلعيد ومحمد براهمي.

ولذلك كان الرابح الحقيقي في تلك الإنتخابات هو الشعب التونسي نفسه، الذى لم يتأثر عقله بأي حملة دعائية، وركز على المضمون وعلى البرامج الإنتخابية القابلة للتنفيذ، وليس على وعود إنتخابية أشبه بالأحلام، ولذلك كانت إنتخابات الشعب أولا وأخيرا.

ففي الإنتخابات التونسية أسقط الشعب كل الكيانات السياسية والأحزاب التى فشلت بعد ثورة الياسمين 2011م، كحزب نداء تونس وحزب النهضة، وتوجه للصناديق لإختيار شخصين أحدهما دون توجه حزبي ورجل أكاديمي يشهد له كل طلابه، لذلك كانت أكبر شريحة داعمة لقيس السعيد هم الطلاب والشباب المتعلم، والثاني تفاعل معه التوانسة بسبب عمل مؤسساته الخيرية وتعاطفا معه بعد عرقلة تيار الإسلام السياسي ورئيس الوزراء الأسبق يوسف الشاهد خروجه من السجن الا وهو نبيل القروي.

ولذلك يحسب للشعب التونسي أولا، ثم قيس السعيد ونبيل القروي ثانيا، بأنهم أسقطوا منظومة الأختيارات التقليدية التى كانت تقتصر دائما على مرشح من دولاب الحكومة أو مرشح مدعوم من تيار الإسلام السياسي، وإنهاء دور الاعلام المؤدلج والاحزاب الكرتونية والسلطات العقيمة الكلاسيكية، كي يكتب الشعب مرحلة جديدة بمعنى الكلمة في تاريخ تونس الحديث.

أنتصرت تونس لديموقراطيتها أولا ولشعبها ثانيا ولمن يستحق الرئاسة ثالثا، ويكفينا إننا نشاهد برامج المناظرة بين المترشحين للرئاسة على الهواء مباشرة على كافة قنوات التلفزيون التونسي، في وقت تغيب فيه الديمقراطية عن أغلب أن لم يكن جميع دول المنطقة، وفي وقت قد تكون فيه كلمة "ديموقراطية" فى حد ذاتها شرك وكفر بالله والعياذ بالله لدى دول لم تعرف يوما إنتخابات أو برلمان أو دستور.

والأن وبعد فوز المرشح قيس السعيد بإنتخابات الرئاسة التونسية يتأهب الرئيس الجديد وقبل وصوله لقصر قرطاج للإستعداد لمواجهة تحديات داخلية بالجملة، ولكن في وجهة نظري يبقى أهمها الأن هو طمأنة قطاع كبير من الجمهور الذى تخوف من عدم وضوح الأيدولوجية السياسية لقيس سعيد منذ البداية، قبل أن يزداد تخوفهم من قيس السعيد مجددا بعد إعلان حركة النهضة الإسلامية دعمه فى الجولة الثانية من الإنتخابات، وإعلان الرئيس الأسبق المنصف المرزوقي المحسوب على تيار الإسلام السياسي دعمه لقيس سعيد أيضا .

فحتى وأن كان إعلان الإسلاميين دعمهم لقيس سعيد فى الجولة الثانية، هو للبقاء فى الساحة بعد فشل مرشحهم عبد الفتاح مورو، ولشراء ود الأقرب للرئاسة بحكم نتيجة الجولة الاولى من الإنتخابات التى صبت في صالح قيس السعيد، فعلى الرئيس الجديد تحديد بوصلة أيدولوجيته مبكرا في البلد الذى مازال الميراث البورقيبي حاضرا فيها وبقوة، والتأكيد فعليا على ما صرح به قيس سعيد يوم 17سبتمبر/أيلول، عندما قال: "لا يهمني إلا أن أكون صوت الشعب، ونقل إراداة الشعب التونسي إلى مستوى القرار ومستوى التشريع".

بعد إنتهاء العرس الديمقراطي بتونس، بات قيس سعيد أمام خيار من أثنين لا ثالث لهما الأول وهو أن يبرهن بالفعل أنه رئيس مستقل ليس عليه فواتير تجاه أي تيار سياسي، وشخص جدير برئاسة شعب كشعب تونس، والخيار الثاني هو أن يكون أداة ستستخدمها حركة النهضة التى دعمته، كي يتم أعادة حركة النهضة للحياة السياسية من جديد ويتم أعادة تدوير شخص منصف المرزوقي مرة أخرى ولكن في تلك المرة بثوب خطيب مفوه وأستاذ في القانون والحديث معا.

كي يتحقق حينها كلام نبيل القروي عندما وصف تحالفات ودعم الإخوان لأي شخص، قائلا: "من يتحالف معهم يحطمونه، ثم يتحالفون مع من بعده، ثم يدمرونه ويتحالفون مع من بعده، فليس لديهم أخلاقيات، وكنت شاهدا على العلاقة بين السبسي والغنوشي، وبعد وفاة السبسي قال الغنوشي لقد نافقناهم لكي نتخطاهم، ثم نتحالف مع من بعدهم."

ويأتي هذا في ظل إستعداد حركة النهضة لتشكيل الحكومة بعد أن تصدّرت نتائج الانتخابات التشريعية ، يليها حزب "قلب تونس" الليبرالي الذى يرأسه نبيل القروي.

فهل يكون قيس سعيد أردوغان نسخة عربية، أم بورقيبة جديد يعيد الحياة لتونس مرة أخرى؟

هل سيكون مناصرا بالفعل لا بالكلام والمزايدات للقضية الفلسطينية أم متاجرا بها كما يتاجر بها البعض ؟

هل سيكون سعيه للجزائر وليبيا من أجل ضمان أستقرارها، أم لوضعها على طريق الثورات الملونة ؟

نعم تلك هي الأسئلة الواقعية الصحيحة للمشهد الحالي بتونس وفيما يخص السياسة الخارجية للدولة التونسية الجديدة، بعيدا عن كل المشاعر المرهفة التى كنا نشاهد بها أحداث الإنتخابات بداية من الحملات الإنتخابية مرورا بالمناظرات التلفزيونية وصولا لأول تصريحات قيس سعيد بعد فوزه بالرئاسة.

نتائج أنتخابات تونس (ترمومتر شمال أفريقيا) سيكون لها مردود واسع على كل دول الربيع العربي وكل الجمهوريات التى كانت مستهدفة منه، وفي مقدمتها الجزائر التى تنتظر إنتخابات رئاسية بعد شهرين من الأن، والتى صرح قيس سعيد بعد فوزه بالرئاسة بأن زيارته الخارجية الأولى ستكون لها ودعما لثورتها ثم ليبيا، نعم الإنتخابات أنتهت في تونس ولكن ستبدأ تداعياتها قريبا في الجزائر وليبيا، فالبداية دائما ما كانت تأتي من تونس.

 

 


مقالات وأخبار مرتبطة
أسبُوع الوَحدة الإسلاميَة
ذكْرى المَولدُ النَبويُ الشَريف
غزة هاشم.. مُرابطون يصنَعون الانتصَار َ
لبنان لحظة بلحظة
من ذاكرة التاريخ

عاجل