دور المرأة في الحضارة الإسلامية ... 2/1

الأحد 06 تشرين الأول , 2019 12:07 توقيت بيروت مقالات فكريّة

الثبات - مقالات فكرية

 

دور المرأة في الحضارة الإسلامية ...2/1

 

كان للمرأة حضورٌ في المجتمع الإسلامي منذ اللحظة الأولى لظهور الإسلام، فكانت تتعلَّم وتُعلِّم، وترحل لطلب العلم، ويقصدها الطلاب لأخذ العلم عنها، وتصنِّف الكتب، وتفتي، وتُستشار في الأمور العامَّة، ولم تكن حبيسة منزل أو حجرة، أو أسيرة في مهنةٍ معيَّنة، بل كان المجال مفتوحاً أمامها تظله الشريعة الغرَّاء، ويرعاه العفاف والطهر.

فالسيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها هي أوَّل من آمن بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم على الإطلاق، وكانت ملاذاً وحصنًا منيعاً للدعوة الإسلامية حتى وفاتها في العام العاشر من البعثة، وهو العام الذي سمَّاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعام الحزن.

كذلك كانت المرأة أوَّل من ضحَّت بنفسها في سبيل الله؛ فالسيدة سمية بنت خياط رضي الله عنها هي أول شهيدة في الإسلام.

كما كانت المرأة أول من هاجر في سبيل الله؛ فالسيدة رقية بنت محمد صلى الله عليه وآله وسلم، هي أول من هاجرت إلى الله تعالى مع زوجها عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى الحبشة.

المرأة فقيهة ومفتية:

وقد امتدَّ عطاء المرأة المسلمة بعد الإيمان والهجرة والتضحية إلى المجال العلمي والتعليمي، فظهرت الفقيهة والمـُحدثة والمفتية التي يقصدها طلاب العلم، ويأخذ عنها بعض أساطين العلماء، وتفتي في بعض الأمور التي تخصُّ عامَّة المسلمين، وظهر من العالمات المسلمات من تعقد مجالس العلم في كبريات المساجد الإسلامية، ويحضر لها الطلاب من الأقطار المختلفة، وعُرف عن بعض الفقيهات والمحدثات المسلمات أنهنَّ أكثرن من الرحلة في طلب العلم إلى عددٍ من المراكز العلمية في مصر والشام والحجاز حتى صرن راسخات القدم في العلم والرواية، وكان لبعضهنَّ مؤلَّفات وإسهامات في الإبداع الأدبي.

ففي صدر الإسلام كانت أمهات المؤمنين وعددٌ من كبريات الصحابيات من روَّاد الحركة العلمية النسائية، وكانت حجرات عدد من أمهات المؤمنين الفضليات منارات للإشعاع العلمي والثقافي والأدبي، وتأتي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في الذروة والمقدِّمة، فكانت من الفصيحات البليغات العالمات بالأنساب والأشعار، وكان النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم يستمع منها إلى بعض ما ترويه من الشعر.

وتروي بعض الآثار أنَّ عائشة رضي الله عنها عندها نصف العلم، لذا كانت مقصد فقهاء الصحابة عندما تستعصي عليهم بعض المسائل العلمية والفقهية، خصوصاً فيما يتعلَّق بجوانب حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكانت عائشة تحثُّ سائلها ألَّا يستحي من عرض مسألته، وتقول له: "سَلْ فَأَنَا أُمُّكَ"، وقد أخذ عنها العلم نحو (299) من الصحابة والتابعين، منهم (67) امرأة.

أمَّا أم سلمة رضي الله عنها فكانت كما وصفها الذهبي "من فقهاء الصحابيات"، وممَّن روى كثيراً من الأحاديث عن النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم، وروى عنها كثيرٌ من الصحابة والتابعين بلغوا نحو (101)، منهم (23) امرأة.

وتتعدَّد أسماء الصحابيات والتابعيات اللاتي اشتهرن بالعلم وكثرة الرواية، وتحفل كتب الحديث والرواية والطبقات بالنساء اللاتي روين وروي عنهن الحديث الشريف، مثل: أسماء بنت أبي بكر الصديق، وأسماء بنت عميس، وجويرية بنت الحارث، وحفصة بنت عمر، وزينب بنت جحش رضي الله عنهن.

ولم يغفل كبار كتَّاب الطبقات الترجمة للمرأة المسلمة خصوصاً في الرواية؛ فمحمد بن سعد ذكر كثيراً من الصحابيات والتابعيات الراويات في كتابه (الطبقات الكبرى)، وابن الأثير خصَّص جزءاً كاملاً للنساء في كتابه (أسد الغابة)، وفي كتاب (تقريب التهذيب) لـ ابن حجر العسقلاني ذكر أسماء (824) امرأة ممَّن اشتهرن بالرواية حتى مطلع القرن الثالث الهجري.

المرأة معلمة الرجال:

وقد أسهمت المرأة العالمة بأناملها الرقيقة في صناعة وتشكيل كثيرٍ من كبار العلماء؛ فالمؤرخ والمحدث الشهير الخطيب البغدادي صاحب كتاب تاريخ بغداد سمع من الفقيهة المحدثة طاهرة بنت أحمد بن يوسف التنوخية المتوفاة (436هـ).

وكانت أمة الواحد بنت الحسين بن إسماعيل المتوفاة (377هـ) من أفقه الناس في المذهب الشافعي، وكانت على علمٍ بالفرائض والحساب والنحو، وكانت تفتي ويكتب عنها الحديث، أما جليلة بنت علي بن الحسن الشجري في القرن الخامس الهجري، فكانت ممن رحلن في طلب الحديث في العراق والشام وسمع منها بعض كبار العلماء كالسمعاني، وكانت تعلم الصبيان القرآن الكريم.

وكانت زينب بنت مكي بن علي بن كامل الحراني المتوفاة سنة (688هـ) من النساء اللاتي قضين عمرهن كله في طلب الحديث والرواية، وازدحم الطلاب على باب بيتها في سفح جبل قاسيون بدمشق، فسمعوا منها الحديث، وقرأوا عليها كثيراً من الكتب.

أمَّا زينب بنت يحيى بن العز بن عبد السلام المتوفاة (735هـ) فقد تفرَّدت برواية المعجم الصغير بالسماع المتَّصل، وقال عنها مؤرِّخ الإسلام شمس الدين الذهبي: "إنَّه كان فيها خير وعبادة وحب للرواية فقُرئ عليها يوم موتها عدَّة أجزاء"، وكانت زينب بن أحمد بن عمر الدمشقية المتوفاة (722هـ) من المحدثات البارعات ذات السند في الحديث، ورحل إليها كثيرٌ من الطلاب.

 

 

 

 

 


مقالات وأخبار مرتبطة
أسبُوع الوَحدة الإسلاميَة
ذكْرى المَولدُ النَبويُ الشَريف
غزة هاشم.. مُرابطون يصنَعون الانتصَار َ
لبنان لحظة بلحظة
من ذاكرة التاريخ

عاجل