“الخوّاص”.. مهنة وتراث يتوارثها أبناء “المنايعة” في غزة

الإثنين 26 آب , 2019 02:11 توقيت بيروت ثقافة

الثبات ـ ثقافة


تحت ظلال أشجار النخيل، تجلس حميدة المنايعة (63 عاما)، ومن حولها أبناؤها، محمد وسلمان وهم منهمكون في تجهيز العديد من الأطباق والأواني المصنوعة من سعف النخيل، في مهنة يطلق عليها “الخوّاص”.

وتعتبر مهنة “الخوّاص” واحدة من المِهن التراثية القديمة، التي ارتبطت بالفلاحين تحديدا وتقوم على جمع أوراق النخيل التي تجدل مع بعضها البعض، بطريقة تضيق أو تتسع حسب نوعية المنتج، وتقوم بها النساء غالبا ويتم تناقلها بالوراثة، حيث تحرص الأم على تلقين ابنتها أصول الحرفة، وفي بعض المجتمعات يتشارك الرجال في التعلم والعمل.

ويكاد يقتصر بيع هذه المنتجات حاليا على السياح، أو من خلال المعارض التراثية، أو بغرض الزينة، حيث لم يعد السكان يستخدمونها، خصوصا أن ثمنها مرتفع، كونها “صناعة يدوية” تحتاج لجهد كبير.

وتقطن عائلة المنايعة في أحد الأحياء الريفية في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، التي تشتهر بكثرة أشجار النخيل، التي يتم جلب “السعف” منها، كما تعتمد مهنة الخواص كذلك على نبات “الحلفاء” الذي ينبت بجانب الترع أو قنوات تصريف المياه.

وتشجع العائلة أفرادها على تعلم هذه المهنة، عن طريق توفير الأغراض المطلوبة للعمل من الطبيعة المحيطة بهم، أو داخل منزلهم، الذي تتواجد به العديد من أشجار النخيل.

وتُمسك المُسنة حميدة بيدها إبرة الخياطة، التي تسمى “المسلّة”، التي تعتبر أداةً رئيسيةً في عملها، وبها مجموعة من نبات “الحلفاء” ذات اللون الأخضر، وتقوم بطيها مع سيقان سعف النخيل، لتصنع منها طبقا دائريا، بشكلٍ مُحكم ومُتقن، فيما يعكف أبناؤها محمد وسلمان على تجهيز أطباق أخرى مماثلة.

وتقول المنايعة، إن تعلم هذه المهنة ليس سهلا، فهي تحتاج إلى جهدٍ بدني وذهني  وتوضح أنها ورثت هذه المهنة من والدتها قبل أكثر من عقدين.

كما تذكر أن الأسرة كانت تمارس هذه المهنة في بلدتها الأصلية، “روبين”، قضاء مدينة يافا، التي هُجرت منها عام 1948.

وتبيّن الحاجة المنايعة أن صحتها لم تعُد تساعدها للعمل طويلا بهذه المهنة، فلجأت إلى تعليمها لأبنائها، الذين أصبحوا يجيدونها بمهارة، وتلفت إلى أن أواني القش تعتبر جزءا أساسيا من التراث الفلسطيني، ومظهرا حضاريا، قليلون من باتوا يحافظون عليه.

وتضيف، كانت تستخدم قديما لدى أسرتها وعموم الأسر الفلسطينية، في وضع الخبز أو العجين عليها، وتقديم الطعام، والفواكه والحلوى بها، وتزيين جدران المنازل، إلا أن قليلون اليوم يعرفون قيمة تلك الأواني، سواء كانت أطباقا، سلالا، مزهريات، أباريق كون أدوات أخرى حديثة حلت مكانها، في ظل ارتفاع ثمن تلك المشغولات اليدوية باهظة التكلفة، ولا تجد سوقا لها، وفي ظل الظروف المعيشية الصعبة التي يعيشها الفلسطينيون.

فيما يقول ولدها محمد، أنه تعلم المهنة من والدته، وأصبح يجيدها بطلاقة مع أخيه سلمان، كونها تمثل جزءا من التراث الفلسطيني، ومع مرور السنوات تطورت لتصبح مصدر رزق رئيسي في بعض الأحيان، عندما يكون هناك طلب مرتفع.

ويبيّن محمد، أن طريقة الصناعة تتم عبر جمع سعف النخيل اللين ونبات الحلفاء ووضعه حتى يجف في الشمس ثلاثة أيام، ومن ثمّ وضع السعف على شكل حزم صغيرة في وعاء ماء ساخن، وبعد إخراجه من الوعاء، يوضع على قطعة قماشية حتى تجف بعض الشيء، ثم تتم المباشرة باستخدامه على الفور لصناعة الأواني والأدوات.

ويتفق محمد مع والدته في أن المهنة شاقة، وتحتاج لتركيز عالٍ وجهد كبير، ويضيف نستغل مشاركتنا في معارض تراثية ومناسبات وطنية لتسويق المنتجات، الظروف الصعبة جعلت الكثيرين غير قادرين على الشراء، ثمن كثير من المشغولات يتراوح ما بين 11 إلى 57 دولارا.

ويشير إلى ان كثير من المشغولات لاقت استحسان الناس، لكنها لم تجد طريقا للبيع لارتفاع الثمن، فيما نحن نقع بين مطرقة الواقع وسندان سعرها والجهد العالي الذي تحتاجه.

 


 


مقالات وأخبار مرتبطة
لبنان لحظة بلحظة
أسبُوع الوَحدة الإسلاميَة
الإنتخابات الفلسطينية..إستحقاق وطني على وقع المقاومة
من ذاكرة التاريخ

عاجل