عراء الإنسانيّة .... عزاء الإنسانيّة

الإثنين 03 حزيران , 2019 02:10 توقيت بيروت ثقافة

الثبات ـ ثقافة


    أن تقرأ بحوثًا عديدة تتناول العنوان المؤلم ( إبادة الكتب ) عبر تدمير مكتبات تاريخيّة وعظيمة ف الحروب الّتي دارت في أزممنة بعيدة ، لهو أمرٌ خارج عن ايّ من التّوقّعات الّتي يمكن أن تجنّبك ذلك الشّعور بالعجز ، بنقص القدرة على فعل أي شيء ، لكي لا تعرف ما عرفته الشّعوب الّتي اقتيد نتاجها الفكريّ والأدبيّ والثّقافيّ إلى المحارق ، وما أعظم من ذلك بكثير هو إعدام ونفي وتعذيب وقتل المفكّرين والعلماء والأدباء ومنتجي الفكر عبر العصور الّتي مرّت بها الإنسانيّة وصولًا إلى حاضرنا الّذي نعيشه .

   يظهر هذا( الكتاب _ الألم ) أماكن متفرّقة وأزمنة متباعدة جرى فيها " إبادة الكتب " بقصد محو الفكر ، لكن هل إنّ ما مرّ به الكون عبر المتنوّرين والباحثين سيبحث عن جذوره كما أراد الغزاة والجهلة وأصحاب المصالح السياسيّة والاتنية ؟ هل ممكن أن نقرّ بضياع الملايين من الأفكار في أرجاء الكون ؟ أليس ما هو موجود قد وجد فعلًا ؟ وأنّ الكون غطاء أبديّ لكلّ ما ينضوي تحته ؟ أليس من الممكن أن نأمل بعودة تلك الأفكار بأشكال وتمظهرات متنوّعة من جديد إلى الولادة ، عبر قلم يأبى أن يصل إلى النّقطة الأخيرة ؟

   إنّ  كتب التّارخ لم تسلّط الضّوء على الإبادة الإتنية ،كما فعلت مع الإبادة الجماعيّة للنّاس فقد ذُكرت وتمّت استعادتها وتكرارها في مجال العنف السياسي الّذي رافق الحروب ص ( 32) .

     ونجد في الكتاب تعريفًا لوظيفة المكتبات ، فهي تنقل " الذّاكرة الجمعيّة " والنّاس وسائط لهذه الذّاكرة ، لذا فإنّ الإبادة والتّحييد والاقصاء تطال الانسانيّة جمعاء إن سعت الدّول الغازية إلى إبطال مفعول فكر الّذي سبقها في البلاد الّتي احتلّتها ، أم إلى إعدام وحرق وتعذيب بشع لكلّ مفكّر وباحث وأديب .

  وتقول المؤلّفة في ص "64" المكتبات ونظام التّعليم الرّسمي وسيلتان مؤثّرتان لتثقيف ( تسييس) الشّعب ،فكيف نرى إلى أحداث جمّة حرقت فيها ملايين المجلّدات والمخطوطات عبر العصور ؟ 

   وقد تناول الكتاب أحداث حروب عديدة واجتياح قوميّات لقوميّات أخرى ، وأثر ذلك على المكتبات والإرث الثّقافي الإنساني الذّي يخص شعوبًا وإتنيّات كان لها كنوزًا معرفيّة ضخمة ، أنهتها أحقاد وضغائن وجهل وانتقام نبع من الجانب المظلم ووصلت إلى جانب مظلم آخر .
ففي فصل ألمانيا النّازيّة ما بين العنصريّة والقوميّة : وفي هذه الحرب في برلين ، فقدت المكتبة الوطنيّة نحو مليوني مجلّد ، دمّرت مكتبة الرّايخ تماما . وفي فرانكفورت فقدت مكتبة الجامعة 550 مجلّدًا و440 ألف رسالة دكتوراه و750 ألف براءة اختراع  ص (138)
    في صربيا دمّرالصّرب في سراييفو أكبر مجموعة مخطوطات إسلاميّة ويهوديّة ، كان المعهد يضمّ أكثر من 5 آلاف مخطوطة شرقيّة ص (169) 
    العراق دمّر في حربه على الكويت 23 مكتبة عامّة و572 مكتبة مدرسيّة و29 مكتبة أكاديميّة و69 مكتبة متخصصة ومركز معلومات  ص (209)
       في الصّين دُمّرت 2500 مكتبة وربع مليون كتاب ، إذ دمَر الحرس الأحمر بإقليم كيانسو 100 ألف مجلّد و80 ألف كتاب في ليلة واحدة ص 242 ، وقد دمّر أيضًا كلّ ما يذكّر بالكونفوشيّة ، بما في ذلك الصّور والنّصوص المقدّسة ، واستخدمت آثار المتاحف والمعابد والكنائس والمقابر والتّماثيل والآثار " قربانًا هائلًا محترقًا " ص 246 
     في التّبت أُجبر التّيبيتيّون على تدمير أديرتهم بأنفسهم تحت تهديد السّلاح ص 281 وقد كتب مؤرّخ في تلك الفترة عن إحضار كمّيات هائلة من الكتب للمساجين ، وإجبارهم على تمزيقها ووضعها في برميل ماء ص 282 ، وذكر أحد الباحثين أنّ 60 بالمئة من الكتابات الفلسفيّة والتّاريخيّة والسّيرالذّاتيّة للتّبت قد أحرقت ص 282 .وقد أعادت حكومة المنفى في التّبت طباعة زهاء 700 كتاب ( بإسلوب غربي ، لا تيبتي ) تتناول الدّين والفلسفة والسياسة والقانون والتّاريخ وعلم الآثار والجغرافيا والفلك والفنون ص 286 ، وفي المنفى نفسه قام العديد منهم بحماية العلماء ، إذ إنّهم اعتبروا بمثابة نصوصا حيّة ، بموت عالم واحد منهم في أثناء مشاركته في تشييد الطّرق تضيع قرونًا من التّعلّم  ص 294 .

     وبما أنّ المكتبات تدعم النّزعة الفرديّة والتّعدّدية ، والنّزعة الابداعيّة والعقلانيّة ، وحريّة انتقال المعلومات والتّفكير النّقدي والحريّة الفكريّة ص 301 ، ما على كل فرد إلّا أن  يبني مكتبته الخاصّة كحدث بسيط سيساهم في تنمية روح المكتبات وحفظ الكتب بأمان .
وتقول الكاتبة ص 316" إنّ تفاعل الاختلافات ، تجاذبها وتنافرها هو ما يدفع حركة العالم ، الحياة التّعدّديّة ، أمّا التجانس فهو الموت "لذا يجب أن تصان الثّقافات ، وصونها يتطلّب مجهود كلّ فرد منّا .

حكمت حسن ٣-٦-٢٠١٩
 


مقالات وأخبار مرتبطة
٥٠ عاماً على إحـْـراق المَسْجد الأقصَى  المُبَارك
بَعد أن أدوا منَاسِك الحَج  يُكحلون عيُونهم بزيَارة  رَوضة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم
سيشاهد العالم البث المباشر لتدمير ألوية «العدو»
"إرهاب الدولة" يحاصر السعودية ويهدد مستقبلها

عاجل