الخالصة وزهر البيلسان ـ رامز مصطفى

الإثنين 15 نيسان , 2019 10:11 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات

صباح يوم العاشر من نيسان عام 1974 مرّ شبان ثلاثة، كان الشاعر اللبناني طلال حيدر قد اعتاد أن يصادفهم صباح ومساء كل يوم، وهو يتناول قهوته من على شرفة منزله، موجهين إليه التحية من دون معرفة بينهم، ودون أن يُدرك الشاعر طلال حيدر أنها المرة الأخيرة التي سيصادفهم بها . وعلى غير العادة هؤلاء الشبان لم يعودوا، فأبدى الشاعر قلقه من عدم عودتهم مساء ذاك اليوم الربيعي، لأنه كان وعد نفسه أن يفاتحهم عن سبب دخولهم تلك الغابة في الصباح، والعودة منها في المساء، لكن فضوله خذله فلم يحظّ بفرصة سؤالهم، ليفاجأ صبيحة اليوم التالي، أي في الحادي عشر من نيسان أن هؤلاء الشبان ليسوا سوى فدائيين نفذوا عملية استشهادية جرئية في منطقة الجليل الفلسطيني المحتل، وتحديداً في الخالصة التي حولها العدو الصهيوني إلى مستوطنة لقطعان الصهاينة المستجلبين من أصقاع الأرض أسماها " كريات شمونة "، بعد أن شردّ أهلها في أيار عام 1948.

ذُهلّ الشاعر طلال حيدر من تلك المفاجأة السارة، إنها عملية فدائية نفذها شبان ثلاثة لم يبدو عليهم شيء لافت حين كان يصادفهم يومياً . وأعجب أكثر أن تلك العملية قد اتسم أبطالها بالجرأة والشجاعة، حيث قتلوا 19 صهيونياً وجرحوا 15 أخرين عدا عن الخسائر المادية الكبيرة التي نجمت عن تفجير هؤلاء الأبطال للمبنى المؤلف من 15 شقة، واستشهد الفدائيون الثلاثة وهم من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة، التي زودت قيادتها هؤلاء فدائييها الأبطال شروطها لإنهاء العملية في الإفراج عن 100 أسير فلسطيني حسب قدمهم في الأسر منذ العام 1966، وفي مقدمتهم الفدائي الياباني كوزو اوكاموتوا المحكوم عليه، وهو أحد أبطال عملية مطار اللد عام 1972، ولاحقاً تم تحريره في عملية الجليل لتبادل الأسرى التي نفذتها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة في أيار 1985، في اشارة بالغة الدلالة في أن الجبهة التي طالبت بالإفراج عنه في عملية الخالصة، ذاتها التي أبقت على وعدها في تحريره وتحرير الآلاف من أسرانا الأبطال قد نفذت وعدها فحررته في عملية الجليل رُغم أنف العدو الصهيوني الذي ظل يراوغ ويتهرب من الإفراج عنه.  

يومها قرر الشاعر طلال حيدر ولما تركه هؤلاء الفدائيين الشبان من أثر طيب في نفسه، أن ينظم فيهم قصيدة شعرية، جاءت كلماتها معبرة ومؤثرة وجميلة المعاني في دلالاتها. واختار لها عنوان لافتاً (وحدن بيبقوا متل زهر البيلسان). بعد أن فرغ الشاعر من نظم قصيدته عرضها على المطربة الكبيرة السيدة فيروز، التي رحبت موافقة أن تغنيها، كيف لا وقد غنت لفلسطين الجريحة والذبيحة، التي أكدت فيها أن الطريق إلى فلسطين لا يمر إلاّ من فوهة بندقية.

هكذا ارتبط اسم عملية الخالصة وأبطالها الثلاثة، ياسين موسى فزاع الموزاني الموسوي (أبو هادي) من العراق، ومنير المغربي (أبو خالد) من فلسطين، وأحمد الشيـخ محمود من سوريا، كأول عملية استشهادية في تاريخ الكفاح المسلح الفلسطيني ضد الكيان الصهيوني الغاصب لأرضنا الفلسطينية، بأغنية (وحدن بيبقوا مثل زهر البيلسان). أغنية روت قصة فدائيين أقسموا على الاستشهاد من أجل أن يحيا أبناء شعبهم وأمتهم، وتحرير فلسطين الأرض والإنسان.


مقالات وأخبار مرتبطة
وفي اليمن قانا
١٧ نيسان.. يوم الاسير الفلسطيني
اللهم بارك لنا في شعبان وبلغنا رمضان

عاجل