لبنان: العفو العام وتعميم الفوضى _ أمين أبوراشد

الخميس 10 أيلول , 2026 02:14 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات

منذ إصدار عفو عن أحد السياسيين في لبنان، في سياق سياسي ارتبط بالإفراج عن موقوفين أو محكومين في قضايا أمنية وإرهابية، سقط العدل في بازار المقايضات.. ومنذ أن أصبحت هناك حالات توقيف امتدت سنوات طويلة من دون محاكمات حاسمة، سقط القضاء في امتحان ممارسة أبسط واجباته: محاكمة المُرتكب، وتبرئة المظلوم، وإطلاق سراح من أنهى محكوميته.

وحين يُطلَق سراح سياسي مُدان بجرائم قتل في سياق تسوية، ويُعاد إلى ساحة المعادلة السياسية، مقابل ترضية فريق آخر بإطلاق موقوفين أو محكومين في ملفات أمنية على قاعدة "6 و6 مكرر"، فإن العدالة تتحول من مبدأ إلى ورقة تفاوض، ويصبح المواطن عالقاً بين عفوٍ بلا عدالة، وسجنٍ بلا محاكمة.

وتكمن أهمية ما ورد في قانون العفو العام في أنه حافظ، من حيث المبدأ، على الحق الخاص أو الشخصي؛ فالمرتكب الذي تُسقَط عنه دعوى الحق العام لا يعني ذلك بالضرورة سقوط حقوق المتضرر الشخصية، ولا يمنع صاحب الضرر من المطالبة بحقه والتعويض عن الأذى الذي أصابه نتيجة الفعل الجرمي، وفقاً للأصول القانونية.

لكن خطورة العفو العام الذي أقره مجلس النواب اللبناني لا تكمن فقط في التفريق بين الحق العام والحق الخاص، بل في أن المسألة باتت قضية رأي عام بامتياز، فحين يكون ضحايا بعض الجرائم من عناصر الجيش اللبناني وسائر القوى الأمنية، لا يمكن للعفو أن يمحو حقوقهم الشخصية، ولا أن يمحو من ذاكرة اللبنانيين جرائم الاعتداء على من يمثلون الدولة ومؤسساتها.

والأخطر من ذلك أن العفو العام حين يأتي نتيجة عجز القضاء عن حسم الملفات ضمن المهل والأصول القانونية، قد يتحول من استثناء تفرضه ظروف معينة إلى بديل عن العدالة.. وعندما يصبح قانون العفو هو الطريق الأسرع لإقفال الملفات التي عجزت المؤسسات عن حسمها، فإن الرسالة التي تصل إلى المجتمع خطيرة: إذا تعذرت العدالة، يمكن دائماً اللجوء إلى التسوية السياسية.

وإذا كان إطلاق سراح سياسي مُدان بجرائم خطيرة قد جرى في سياقات سياسية سابقة، وإطلاق سراح موقوفين أو محكومين في قضايا أمنية وإرهابية قد جرى في سياقات أخرى، فإن جمع هذه الملفات المتناقضة تحت مظلة التسويات لا يؤدي إلى ترميم العدالة، بل إلى إضعاف مفهومها، والأسوأ أن تتحول أحكام القضاء إلى مجرد أوراق قابلة للمقايضة، فيما يُعاد إدخال من ارتبط اسمه بجرائم خطيرة إلى الحياة السياسية، وكأن شيئاً لم يكن.
بهذا، لا يعود قوس العدالة في لبنان ميزاناً بين الجاني والمظلوم، بل يتحول، في نظر المواطن، إلى مقصلة للضعفاء؛ أولئك الذين لا يتظاهر أحد من أجلهم، ولا يعتصم أحد، ولا يزورهم أحد حاملاً لهم "علبة حلاوة" أو "علبة سجائر".
وقد يقول قائل إن ضعف القضاء في لبنان هو انعكاس لضعف القطاع العام، وإن الأسئلة تتوالى حول الرواتب المتدنية، والمخصصات الهزيلة، والتقديمات التي لا تليق بمقام القاضي ومسؤولياته، وهذا كله صحيح، لكن السؤال يبقى: لماذا يسمع اللبناني عن التعيينات القضائية، وعن التشكيلات القضائية، وعن العطلة القضائية، ولا يسمع بالقدر نفسه عن أحكام قضائية تحسم حتى أبسط القضايا العالقة، والنائمة في أدراج المحاكم لسنوات، بلا حسيب ولا رقيب؟!
هكذا بات القضاء في نظر كثير من اللبنانيين؛ شبيهاً باللجان النيابية التي يُطلَق عليها تعبير "مقبرة القضايا": ملفات تتراكم، ومواعيد تتأجل، وأحكام تتأخر، وحقوق تضيع بين المُهَل والإجراءات.
الحسيب في لبنان ممنوع، والرقيب كذلك، لأن المحسوبيات السياسية والمحاصصات الطائفية والمصلحية أضعفت استقلال المؤسسات، ولم يكن القضاء بمنأى عن هذه المنظومة، وكيف لقاضٍ أن يرفع مطرقته ويحكم بالعدل، إذا كان منظار العدل لديه يرى بعين واحدة، هي العين التي تحرسه منذ تعيينه، وترصده، وربما تمنعه، بغمزة عين، من إحقاق الحق؟

والخلاصة، عندما يصبح العفو العام بديلاً عن المحاكمة، والتسوية بديلاً عن الحكم، والانتماء السياسي حصانةً من الحساب، لا يعود الخطر في خروج هذا السجين أو ذاك، بل في سقوط فكرة العدالة نفسها، وحين تسقط العدالة، لا يبقى في الدولة سوى القانون الذي يطبَّق على الضعيف، فيما التسوية هي التي تحمي القوي "المدعوم".


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل