لبنان... "الدولة العميقة" تمنع قيام الدولة _ أمين أبو راشد

الخميس 03 أيلول , 2026 02:06 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات

لبنان ليس الولايات المتحدة لكي تكون "الدولة العميقة" فيه مجموعة من جماعات الضغط واللوبيات ذات النفوذ، كاللوبي اليهودي على سبيل المثال لا الحصر، أو شركات الصناعات الحربية التي تضغط على السياسة الخارجية لدفعها نحو صناعة الحروب في العالم. وهو لا يمتلك «وول ستريت» للتحكُّم في بورصات العالم، ومع ذلك، فإن ما شهدته الدولة اللبنانية من سلب ونهب وتهريب للمال العام يفوق في فداحته ما يمكن أن تنجزه كثير من مافيات الدول المارقة.
ولبنان، بوصفه جمهورية برلمانية ديمقراطية، ليس دولة ملكية تتوارث فيها عائلة واحدة الحكم، وتحكُم من خلفها حاشية القصر. ومع ذلك، نشأت فيه عائلات سياسية تتوارث النفوذ، وزعامات حزبية ومذهبية وميليشيوية تمسك بمفاصل السلطة، وتستخدم مواقعها في الحكم للإمساك بما يمكن تسميته بـ"الدولة العميقة"، أي بشبكة المصالح السياسية والطائفية والاقتصادية التي تتغذى من ضعف الدولة وتمنع اكتمالها.
ولبنان، في استقلاله كما في احتلاله، بلد تحكمه إلى حد بعيد "دكتاتورية الجغرافيا"، وهو منذ العهد العثماني، لم يكن قراره مستقلاً بالكامل، فتارة كان يتلقى الأوامر من "والي الشام"، وتارة من "والي عكا"، وفي زمننا الراهن، لا يزال لبنان يعيش تحت وطأة الجغرافيا نفسها: خطر الإرهاب الذي قد يأتيه من الشرق، والاحتلال "الإسرائيلي" الرابض في جزء من جنوبه، فضلاً عن صراعات المحاور الإقليمية والدولية التي تتقاطع فوق أرضه، وعلى حساب قراره السيادي.

ولعل الأخطر في المشهد الراهن هو تقاطع المصالح بين قوى إقليمية ودولية تتباين في أهدافها، لكنها قد تلتقي مرحلياً على إضعاف موقع المقاومة في لبنان. فالصراع من جهة يأخذ أحياناً طابعاً مذهبياً وسياسياً في المنطقة، ومن جهة أخرى يرتبط بهاجس وجودي وأمني "إسرائيلي" تجاه حزب عقائدي يرفع شعار مقاومة "إسرائيل"، وبين هذا وذاك، يبقى لبنان ساحة مفتوحة لتقاطع المصالح، فيما تتراجع قدرته على إنتاج قرار وطني مستقل.

وهنا تكشف "الدولة العميقة" في لبنان عن نفسها، ترفع الحجاب حيناً، وتضع النقاب أحياناً، في لعبة تجري فوق الطاولة وتحتها، ويديرها "المخضرمون في السلطة"؛ حفاظاً على مواقعهم ونفوذهم، وليس الهدف، في كثير من الأحيان، حماية العيش الواحد، لأن هذا العيش لا يحتاج إلى حماية من الزعامات بقدر ما يحتاج إلى عدالة ومؤسسات، وليس الهدف أيضاً تحقيق التوازن الحقيقي بين الطوائف اللبنانية الثماني عشرة، ما دامت العدالة نفسها غائبة، وإنما تثبيت أوزان سياسية وطائفية محددة، وفي مقدمها الوزن الشيعي والسني والماروني، فيما لا تنال القواعد الشعبية المؤيدة لهذه الزعامات، وسائر اللبنانيين عموماً، سوى فتات مائدة الدولة المنهوبة.

ولا يعتقدنَّ أحد أن احتكار الرئاسات الثلاث، أو ارتباط كل رئاسة بطائفة محددة، قد رفع من شأن هذه الطوائف فوق سائر اللبنانيين. فرئاسة الجمهورية للموارنة، ورئاسة مجلس النواب للشيعة، ورئاسة الحكومة للسنة، لم تمنح أبناء هذه الطوائف حصانة من الفقر أو الانهيار أو الفساد، بل إن المعاناة أصبحت مشتركة، وإن اختلفت مواقع النفوذ. ومنذ بداية التسعينيات، ترسخت منظومة من الفساد المالي والإداري والمحاصصة السياسية، حتى لم تعد "الدولة العميقة" مقتصرة على احتكار وزارة المال، أو ما اصطلح على تسميته بـ«التوقيع الثالث»، أو على توزيع المجالس والهيئات الحكومية والقضائية وفق المحسوبيات، بل امتدت إلى شبكة واسعة من المصالح والمنتفعين داخل مؤسسات الدولة نفسها.

وهكذا أصبحت الدولة، في كثير من مواقعها، أشبه بسلسلة من حلقات النفوذ؛ وزير يملك نفوذاً، وسياسي يملك مفتاحاً، وموظف يستفيد من الحماية، ومتعهد ينتفع من صفقة، وجمهور يلتزم بولائه السياسي أو الطائفي أملاً بحصة من غنائم نظام لم يعد ينتج دولة بالمعنى الحقيقي.

وفي هذه الأجواء، وبين التجاذب الطائفي والجذب الإقليمي والدولي لهذه الطائفة أو تلك، يتابع لبنان مفاوضاته مع "إسرائيل" للتوصل إلى "صيغة إطار" مستقلة عن المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية، كما ترى شريحة سياسية لبنانية مؤيدة للسياسة الأميركية.

لكن استقلالية القرار السيادي اللبناني نفسها ليست موضع اتفاق بين اللبنانيين، فالمعادلة تبدو شديدة التعقيد: لا ضمانة للانسحاب "الإسرائيلي" من الأجزاء المحتلة من الجنوب قبل حسم مسألة سلاح حزب الله، ولا قدرة سياسية واضحة على حسم مسألة السلاح قبل تحقيق الانسحاب "الإسرائيلي"، فيما تستمر المراوحة في المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية، ويتواصل العمل على تثبيت وقف إطلاق النار على مختلف الجبهات.

وهنا تعود مشكلة الدولة إلى الواجهة: من يملك القرار اللبناني؟ ومن يملك القدرة على تنفيذه؟ وهل تستطيع الدولة أن تتخذ قراراً سيادياً مستقلاً في ظل تعدد مراكز القوة داخلها، وفي ظل ارتباط جزء من قرارها بتوازنات إقليمية ودولية تتجاوز حدودها؟

لقد اختصر السفير الأميركي في أنقرة ومبعوث الرئيس ترامب إلى سوريا ولبنان توم براك، جانباً من هذه المعادلة، حين أشار إلى أنه لا غنى عن إيران وحزب الله لإنجاح "صيغة الإطار" المتعلقة بالمفاوضات اللبنانية مع "إسرائيل"، وهكذا يبقى الوضع اللبناني في حالة انتظار، وكأن الفرج السياسي لن يأتي من بيروت، بل من مكان أبعد، وربما من مضيق هرمز.

لكن حتى لو تبدلت المعادلات الإقليمية، فإن الضائقة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في لبنان لن تنتهي بمجرد تبدل الظروف الخارجية، فالمشكلة الداخلية أعمق من أي تسوية إقليمية، ما دامت "الدولة العميقة" ليست مؤسسة واحدة يمكن تفكيكها، بل مجموعات مصالح وزمر فساد وشبكات محاصصة منتشرة في مؤسسات الدولة، من مرتبة الوزير إلى وظيفة أجير.

ولعل المفارقة أن أحد السياسيين اللبنانيين فسّر "الدولة العميقة" بـ"الدولة العميقة" نفسها، وكأنه لم يجد تعريفاً لها إلا في عمق ما تركته الطبقة السياسية وراءها من ملفات: ربما بعمق براميل المواد السامة التي دُفنت في شننعير، أو بعمق الحوض الخامس حيث عظام شباب لبنانيين، أو بعمق العمالة للسفارات من تحت الطاولة وفوقها، أو بعمق العلاقات المشبوهة التي تُدار داخل حقائب الدولارات والريالات.

و"الدولة العميقة" الحقيقية قد تكون أعمق من كل ذلك، إنها تسكن في عمق الجهل الراكد في رؤوس جماهير تُستدرج إلى الدفاع عن زعاماتها، حتى وهي تدفع ثمن فسادها، وتعيش على هامش دولة تتآكل مؤسساتها يوماً بعد يوم.

فحين يصبح المواطن أسيراً للطائفة، والموظف أسيراً للزعيم، والقضاء أسيراً للمحاصصة، والقرار السيادي أسيراً لتوازنات الخارج، لا تعود الدولة العميقة مجرد شبكة تعمل داخل الدولة بل تصبح الدولة نفسها هي الغطاء الذي تختبئ تحته الدولة العميقة.

ولهذا، فإن قيام الدولة في لبنان لا يحتاج فقط إلى تغيير حكومة أو انتخاب رئيس أو تعديل قانون، بل إلى كسر الحلقة التي تجعل من ضعف الدولة مصدر قوة لمن يسيطر عليها، فالدولة لا تقوم حين تتغير الوجوه فوق الكراسي، وإنما حين يصبح الكرسي خادماً للدولة، لا الدولة خادمة لمن يجلس عليه.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل