دول الخليج تنتظر كزوارق الصيد على سواحل هرمز _ أمين أبوراشد

الثلاثاء 01 أيلول , 2026 02:20 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات

دول الخليج، حالها مع الرئيس دونالد ترامب كما حال زوارق الصيادين الراسية قسراً على الشاطئ لظروف الطقس، ليس فقط عند ارتفاع الأمواج التي تمنعها من الإبحار، بل أيضاً إذا ارتأى البحَّارة ذلك نتيجة قراءتهم للأحوال الجوية، لكن التعامل مع شخصية مثل ترامب تتحوَّل خلال لحظات من مائجة إلى هائجة إلى عالية الأمواج، لا يؤمَن الإبحار معها في أي وقت، ويجد زعماء الدول الخليجية أنفسهم عاجزين عن الانطلاق من أجل مصالح شعوبهم وبلدانهم، ويحاول بعضهم ترميم "القارب"، والبعض الآخر ترقيع "الشِّبَاك" التالفة الممزقة، بانتظار انتهاء ترامب من مصارعة الأمواج بلا طائل في مضيق هرمز.
وتتفاوت تداعيات الحرب الأميركية - الإيرانية على دول الخليج وفق الثقل الإقليمي لكل دولة، وحجم ودور القواعد الأميركية على أراضيها، إضافة إلى مستوى تدخلها السياسي والدبلوماسي في هذه الحرب، ومدى السماح باستخدام الأميركيين لهذه القواعد في العدوان، وإذا كانت سلطنة عُمان الراعية المخضرمة للوساطات في الشرق الأوسط هي الأقل استهدافاً من إيران، فإن المملكة العربية السعودية تأتي بالدرجة الثانية في "الحياد"، أو في تحييد نفسها عن التورُّط، إما لأنها مُنهكة من الحرب في اليمن، وإما لأنها تسعى للاستقرار الإقليمي بهدف تنفيذ خطة 2030، والتي كانت أولى مقتضياتها السلام مع إيران بوثيقة تفاهم بكين الثلاثية بين المملكة والجمهورية الإسلامية الإيرانية وجمهورية الصين الشعبية، التي تم توقيعها في 10 آذار/ مارس من العام 2023.
من نقاط ضعف دول الخليج، أنها لم تُستَشَر من طرف إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب قبل بدء "الحرب الأولى" التي دامت 12 يوماً في شهر حزيران/ يونيو من العام 2025، ولا في "الحرب الثانية" التي بدأت في 28 شباط/فبراير من العام 2026 ودامت 39 يوماً، ولا في "الحرب الثالثة الأخيرة" التي دامت 13 يوماً، وأعلن على أثرها ترامب الذهاب إلى تشديد الحصار الإقتصادي على إيران بدلاً من المواجهة العسكرية التي فشلت في تحقيق أي من الأهداف المُعلَنة، وليست الضربة الأميركية على جزيرة "لارك" يوم الأحد الماضي سوى محاولة تقليص قدرة إيران على إغلاق مضيق هرمز، فيما الرد الإيراني جاء سريعاً بقصف مواقع أميركية في الخليج والأردن.
"الهدوء النسبي" الذي خرقته أميركا في جزيرة "لارك" وردَّت عليه إيران بعنف، لا يشبه عند توقف المعارك "الحرب الباردة"، لأن نار غلاء النفط أحرقت الأسواق العالمية، وتسببت في أميركا والخليج بانهيار القطاعات العقارية، وإرباك في البورصات وشلل في التبادلات التجارية، ورغم البدائل التي تحاول بعض الدول الخليجية ابتداعها لتصدير النفط دون المرور بمضيق هرمز (لجوء السعودية إلى التصدير عبر ميناء "ينبع" على البحر الأحمر، والإمارات جزئياً عبر ميناء الفجيرة)، فإن قطر تعاني من كارثة على مستوى تصدير الغاز من الموقع الرئيسي بمدينة "راس لفان"، الذي أصيب بأضرار بالغة نتيجة القصف الإيراني، ومحطات الإنتاج لن تعود لطبيعتها قبل خمس سنوات، والقيادة القطرية لجأت إلى تخفيض الإنفاق الحكومي بنسبة 30%، مما ينعكس بطبيعة الحال على الدينامية الخدماتية للمواطنين، والأمر نفسه ينطبق على كل من البحرين والكويت، حيث ضعف الوضع السياسي الداخلي زاد من تعقيدات الحياة اليومية.
البحرين تشهد تظاهرات شعبية شيعية مؤيدة للقصف الإيراني على البحرين، والكويت تعاني من مشاكل كثيرة بدأت بحل البرلمان وتجميد العمل ببعض المواد الدستورية في شهر أيار/ مايو من العام 2024، إضافة إلى فتح ملفات الفساد المالي التي طالت شخصيات رفيعة المستوى، وصولاً إلى ملف الجنسية ونزعها لغاية الآن عن الآلاف من الكويتيين، بمن فيهم نواب سابقين وسفراء ورجال أعمال.
وقد تكون دولة الإمارات أكثر دافعي الأثمان السياسية، نتيجة مواقفها المُتمايزة عن باقي دول مجلس التعاون الخليجي تجاه إيران، إلى درجة تحالفها مع "إسرائيل" تحت غطاء "الاتفاقيات الإبراهيمية"، لا بل حرَّضت أميركا (وفق ما تناقلته بعض وسائل الإعلام) على استمرار الحرب على إيران حتى إسقاط النظام، وهنا تبدو القيادة الإماراتية كأنها تسعى إلى دور أكبر من حجمها رغم خيبتها بمواجهة السعودية في اليمن، ووسط الحديث الإعلامي الصريح عن تدخلاتها في ليبيا والصومال والسودان.
والتركيز على دول الخليج يحضر في الوقت الحاضر، كون وضعية "مكانك راوح" بين أميركا و"إسرائيل" من جهة وإيران من جهة أخرى، سيؤذي اقتصادات هذه الدول، خصوصاً خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، إذا بقيت المراوحة سائدة في منطقة مضيق هرمز، والأسباب واضحة جداً: "إسرائيل" المقبلة على انتخابات الكنيست وتشكيل الحكومة في تشرين الأول/ أكتوبر المقبل، من مصلحة رئيس حكومتها بنيامين نتانياهو إعادة إشعال الحرب مع إيران، ومع لبنان أيضاً، وأميركا المتجهة إلى انتخابات نصفية للكونغرس في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل، ليس من مصلحتها العودة للحرب، لأنها لم تحقق أي هدف ضد إيران بثلاثة حروب، ولهذا السبب يعمل الرئيس ترامب على إعادة تفعيل المفاوضات، مع استمرار الضغط الاقتصادي والحصار العسكري على إيران، فيما دول الخليج تنتظر النتائج وتقطيع الوقت بترميم "القوارب" وترقيع الشِّبَاك".


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل