أقلام الثبات
حصل جدل في الأيام القليلة الماضية حول قيام الأميركيين بالحوار مع حزب الله، وذلك انطلاقاً من تصريحات ومواقف صدرت عن الرئيس دونالد ترامب والمبعوث الرئاسي توم برّاك، وجرى تفسيرها على أنها انفتاح على مقاربة أكثر براغماتية للملف اللبناني.
في السياسة الأميركية، نادراً ما تكشف التصريحات الأولى حقيقة الاتجاه الذي تسلكه الإدارة. ففي كثير من الأحيان، تبدو المواقف الرسمية ثابتة وقطعية، فيما يتحرك في الخلفية مسار مختلف تقوده حسابات المصالح والوقائع الميدانية، وهو ما حصل سابقاً في الملف الأفغاني. من هنا يبرز السؤال: هل يمكن أن يكون توم برّاك نسخة لبنانية من زلماي خليل زاد؟
تاريخياً، لم يبدأ الحوار الأميركي مع طالبان في عهد ترامب. شهدت سنوات باراك أوباما اتصالات واستكشافات غير مباشرة مع الحركة، إضافة إلى دعم إنشاء مكتب سياسي لها في الدوحة عام 2013، غير أن إدارة أوباما بقيت متمسكة بفكرة أن الحكومة الأفغانية يجب أن تكون المحور الأساسي لأي تسوية، الأمر الذي حدّ من إمكانية الانتقال إلى تفاوض مباشر وشامل مع طالبان.
جاء التحول الحقيقي مع إدارة ترامب المعروف عنه أنه يفضل الحوار المباشر حتى مع الأعداء، وأن تصرفاته لا تسير بالمنحى التقليدي للإدارات الأميركية. كانت الأولوية الأساسية الأميركية هي إنهاء الحرب الطويلة وسحب القوات الأميركية من افغانستان، وعندما وصلت الإدارة إلى قناعة بأن الانسحاب لا يمكن أن يتم من دون تفاهم مع الطرف الذي يملك القوة العسكرية على الأرض، تم تعيين زلماي خليل زاد مبعوثاً خاصاً يتمتع بتفويض سياسي واسع لإدارة الملف.
عندها حدث ما كان يبدو مستحيلاً قبل سنوات قليلة: تفاوضت الولايات المتحدة مباشرة مع طالبان، على الرغم من أنها لم تكن تعترف بها، وتم إقصاء الحكومة الأفغانية الحليفة لواشنطن عن المفاوضات، وقد اعتبر كثيرون آنذاك أن الإدارة الأميركية تجاوزت الحكومة التي كانت تدعمها منذ سنوات، من أجل الوصول إلى اتفاق مع القوة التي تملك القدرة الفعلية على تعطيل أو إنجاح الانسحاب الأميركي.
المقارنة بين تجربة أفغانستان ولبنان ليست بلا أساس؛ في الحالتين، يتمحور النقاش حول سؤال واحد: هل يمكن تحقيق تسوية من دون التحدث إلى الطرف الذي يمتلك نفوذاً فعلياً على الأرض؟
في لبنان، سارع السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى وبيان الخارجية الأميركية لتصحيح ما فُهم من كلام توم برّاك، وأكدوا أن الحكومة اللبنانية هي الشريك الشرعي والأساسي لواشنطن، وأن الأولوية تبقى لحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية.
وكما كان خليل زاد مبعوثاً رئاسياً يتمتع بصلاحيات سياسية تتجاوز العمل الدبلوماسي التقليدي، يُنظر إلى برّاك باعتباره شخصية قريبة من الرئيس ترامب أكثر مما هو ممثل للبيروقراطية التقليدية في وزارة الخارجية.
لكن هناك معوقات أمام هذا الحوار لا يجب تجاهلها، أهمها:
حتى لو كان هناك قنوات حوار أعلن عنها الرئيس ترامب، ومهّد لها محمود قماطي، لكن ذلك لا ينفي أن الملف اللبناني أكثر تعقيداً، لارتباطه بالحرب مع ايران، وموقف "إسرائيل"...
حتى لو توصلت الولايات المتحدة الى تفاهمات مع إيران وحزب الله، هل ينسحب التفاهم على "إسرائيل" المطلوب منها انهاء احتلالها للأراضي اللبنانية بشكل تام؟
في الحالة الأفغانية كانت الولايات المتحدة صاحبة القرار المباشر في الحرب والانسحاب، أما في لبنان فهناك لاعب "إسرائيلي" يملك حساباته التوسعية والداخلية، ما يجعل أي تفاهم أميركي محتمل مع حزب الله غير كافٍ وحده لإنتاج تسوية شاملة.
أثبتت تجربة الحوار مع طالبان أن الإدارات الأميركية قادرة، عندما تقتضي المصالح، على الانتقال من سياسة العزل إلى سياسة الحوار. وعليه، ربما يكون السؤال الأصح اليوم ليس: "هل بدأ الأميركيون التفاوض مع حزب الله"؟ بل: "هل اقتنع الأميركيون نهائياً بأنه لا إمكانية لتحقيق تسوية ناجحة ونهائية إذا استمر تجاهل القوى الفاعلة على الأرض"؟
الإمام الصدر... فشلنا في تحريره.. فلْنحفظْ مشروعه النهضوي _ د. نسيب حطيط
إيران لا تختنق.. من أربعة عقود من الحصار إلى معركة كسر الهيمنة الأمريكية ـ محمد دياب