الآن... لا خيار لنا إلا الصمود والقتال _ د. نسيب حطيط

الخميس 05 آذار , 2026 10:33 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات
خلافًا لأي زمن مضى أو لحروب قديمة تعرضنا لها، فإن اللحظة الحاضرة ألغت كل الخيارات الممكنة والاحتمالات التي يمكن النقاش فيها لاختيار الأفضل والأصوب والأكثر فائدة، فما نشهده الآن يتمايز عما سبق بأنه يلغي كل الخيارات ويحصر النقاش في أمر واحد: كيف نستطيع الصمود لأطول مدة ممكنة؟ وكيف نستطيع الانتصار أو عدم الانهزام؟ لأن الخيار البديل سيكون الاستسلام والاستعباد، لعقود طويلة أفرادًا وجماعات بلا دين ولا كرامة؛ تعصف بنا رياح المحتلين والغزاة والحاقدين، وتهجّرنا من مكان إلى آخر ونصبح الطائفة المَسبية أو المقتولة أو المُستعبدة.
خلافًا لكل اتهام أو تضليل أو افتراء، لم نصنع قدرنا الماضي، فربما أثقلت الجغرافيا كاهلنا بالاعتداءات، لأننا كنا بوابة فلسطين للمقاومين وبوابة العرب الضعيفة التي يقتحمها العدو كلما شاء منذ العام 1948، لكننا صنعنا قدرنا الذي تمسكنا فيه بالمبادئ والشرف والعقيدة التي تمنعنا من الاستسلام أو العيش بذل أو التقصير بنصرة مظلوم أو بيع ديننا برغيف خبز أو منصب أو جاه، مما جعلنا ندفع الأثمان الكبيرة والتضحيات منذ أن اعتقدنا بالإسلام القرآني والسنة النبوية والنهج الحسيني.
طوال 30 عامًا بعد احتلال فلسطين، كنا بلا سلاح وبلا قوة ولا دولة تحمينا، ولا جيش يستطيع حمايتنا، وتمت استباحة قرانا بالتدمير والاجتياحات، وعندما قررنا الدفاع عن النفس وحملنا السلاح المقاوم، استطعنا تحرير أرضنا وحماية أمننا لأكثر من 20 عامًا؛ في غياب الدولة التي أعدناها إلى مقاعدها التي طردتها منها الحرب الأهلية والاجتياحات "الإسرائيلية" واتفاق القاهرة مع الفلسطينيين.
الآن، وبعدما استسلم أغلب العرب والمسلمين وبايعوا الإله الأمريكي الجديد و"نبيّه الإسرائيلي" اليهودي الصهيوني واعتنقوا "الديانة الإبراهيمية" الجديدة وأعلنوا الردة عن الإسلام سلوكًا وعقيدة ولم يبق منه إلا ممارسات قشرية طقوسية تحتاجها أمريكا لتجنيد المسلمين ليكونوا جيشها التكفيري أو مشايخها ونخبها وأحزابها التي تقاتل الإسلام من الداخل وتحاصر من يقاوم بفتاوى التكفير، ولم يبق غيرنا وبعض العرب في فلسطين والعراق واليمن وبعض المسلمين في إيران يرابطون في خنادق المقاومة للمشروع "الإسرائيلي" - الأمريكي، ويمنعون وأد فلسطين وتأسيس "إسرائيل الكبرى" و"الشرق الأوسط الجديد" و"الديانة الإبراهيمية".
الآن، لا خيار لنا سوى الصمود والقتال، فمنهج الهجرة الذي اعتمده رسول الله (صلى الله عليه وآله) في بدايات الإسلام ليس مباحًا الآن، والنهج المشروع هو نهج "بدر وأحد وحنين"، ومنهج كربلاء هو الخيار الوحيد المشروع، ليس من أجل الاستشهاد كخيار وحيد، بل كنهج وفعلٍ لحفظ ما تبقّى من دين وجغرافيا وشرف وكرامة.

الآن، الخيار الوحيد المتاح هو الصمود والقتال والشجاعة والصبر الذي يمكن أن يثمر بعض نقاط القوة وحفظ ما تبقى من أمة ودين واستقلالية وأوطان والبديل الآخر أن نتنازل عن كل شيء ودون ضمانات، وأن نبقى أحياء لنكون "الأغيار" الذين خلقهم الله سبحانه لخدمة اليهود والصهاينة والماسونيين، وعلينا أن ننتظر الموت بسكين "إسرائيلي" عندما يحتاج بقاء "إسرائيل" إلى ذبح القرابين وسفك دمائنا.
المعركة الحاضرة، خلاف كل المعارك، لا تنحصر بتحرير الأرض أو توفير الأمن، بل هي معركة وجودية، فإما أن نحفظ الإسلام وأهله، كما كانوا بعد تحرير عام 2000، أو ندخل دائرة الاستباحة؛ كما كنا في العام الماضي، ولعقود طويلة؛ معركة إما أن ننتصر فيها فنحفظ ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا، أو ننهزم فنخسر ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا...
ليس الأفق مسدودًا، وليس الانتصار مستحيلاً، وليست الهزيمة قدرًا مكتوبًا، فنحن قادرون على تغيير الوقائع والميدان، رغم قسوة الظروف وصعوبتها، وتكاثر الأعداء واجتماعهم على حصارنا (يهودًا وعربًا ومسلمين وغربيين وأمريكيين)، ورغم أننا نقاتل وحدنا ونحن قلّة قليلة تواجه الكثرة الكثيرة الطاغية والظالمة، لكننا سنعبر هذا الجحيم نصرًا أو شهادة، ولن نبقى أحياء أذلاء عبيدًا كما الآخرون.
عندما أشهرنا عقيدتنا وثباتنا على المبادئ، كتبنا وصايانا بدمنا لأن الكرام يأبون العيش الذليل والحياة من أجل الأكل والشرب كقطعان الغنم أو كالدواب التي يمتطيها الصهاينة والمستعمرون.
سنقاوم بشجاعة وشرف... وسننتصر بإذن الله، وسيعود الأمان والعزة وقواعد الاشتباك المتكافئة.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل