إذا لم تستحِ... فكن منبطحًا لأميركا ـ محمد دياب

الأربعاء 15 تموز , 2026 08:57 توقيت بيروت أقلام الثبات

خاص الثبات

قبل كتابة هذه السطور أذكر أنني كمواطن لبناني بيروت ضد التطبيع والمفاوضات المباشرة .. ولأن وقاحة أهل التفاوض من ساسة لبنان تخطت كل الأعراف والقوانين... لذلك أقول:

ليس أخطر ما خرج عن اللقاءات اللبنانية ـ "الإسرائيلية" في روما، بل أخطر ما أعقبها. فمن الذي أعلن نتائج المفاوضات؟ ومن الذي أخبر اللبنانيين بما تم الاتفاق عليه؟ لم يكن بيانًا صادرًا عن رئاسة الجمهورية، ولا عن رئاسة الحكومة، ولا عن وزارة الخارجية اللبنانية، بل عن السفارة الأميركية في بيروت.

أي مشهد هذا؟ وأي دولة بقيت عندما تصبح سفارة دولة أجنبية هي من تتحدث باسم لبنان، وتعلن ما اتُّفق عليه، وتحدد الخطوات المقبلة، وتؤكد أن التنفيذ سيتم خلال الأيام القادمة؟

حين تصبح السفارة الأميركية هي المرجع السياسي والإعلامي الذي يشرح للبنانيين مصير المفاوضات، فإن السؤال لم يعد عن تفاصيل "المنطقة التجريبية" أو "الإطار الثلاثي"، بل عن مصير السيادة نفسها.

هل ما زال لبنان جمهورية مستقلة، أم تحول إلى ولاية سياسية تُدار من السفارة الأميركية؟

لبنان الذي دفع آلاف الشهداء في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وقدّم التضحيات دفاعًا عن أرضه وسيادته، يُراد له اليوم أن يُقاد نحو مسار جديد، تُرسم معالمه خارج مؤسساته الدستورية، وتُعلن تفاصيله من سفارة دولة أجنبية.

المفارقة أن السلطة اللبنانية التزمت الصمت، بينما تولّت السفارة الأميركية مهمة إبلاغ اللبنانيين بما جرى وما سيجري. وكأن القرار لم يعد يصنع في بيروت، بل يُبلغ إليها.

ولا يمكن تجاهل أن قطاعًا واسعًا جداً تخطى 70 % من اللبنانيين يرفض أي مسار يؤدي إلى التطبيع مع العدو الصهيوني أو إلى مفاوضات مباشرة تتجاوز الثوابت الوطنية.

ومع ذلك، استنفر بعض أصحاب المشاريع السياسية، ممن يحملون تاريخًا مثيرًا للجدل في خياراتهم وتحالفاتهم، لتسويق هذا المسار باعتباره إنجازًا أو ضرورة، متجاهلين حساسية القضية لدى شريحة كبيرة من اللبنانيين.

إن النقاش اليوم ليس تقنيًا، ولا يتعلق بآليات التنفيذ أو أسماء اللجان، بل هو نقاش حول السيادة. فمن يمثل لبنان؟ ومن يتحدث باسمه؟ ومن يملك حق إعلان ما اتُّفق عليه مع العدو الإسرائيلي؟

عندما يصبح بيان السفارة الأميركية هو المصدر الأول لمعرفة ما يجري في ملف بهذه الخطورة، فإن المشكلة لم تعد في مضمون الاتفاقات فقط، بل في صورة الدولة نفسها، وفي الموقع الذي أوصلت إليه السلطة لبنان.

فالسيادة لا تُقاس بالشعارات، بل بمن يتحدث باسم الدولة، ومن يعلن قراراتها، ومن يرسم مساراتها.

وإذا كانت السفارات هي التي تتولى هذه المهمة، فإن السؤال يبقى مشروعًا: أين الدولة اللبنانية؟


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل