أقلام الثبات
تكشف تجربة لبنان خلال حرب تموز 2006 حقيقة غالباً ما يتم تجاهلها في النقاشات السياسية المعاصرة، وهي أن الدول الصغيرة أو المتوسطة التي تواجه أزمات وجودية أو نزاعات إقليمية لا تستطيع الاعتماد على قدراتها الذاتية فقط في المفاوضات الدولية، بل تحتاج إلى شبكة دعم سياسية ودبلوماسية من الحلفاء والأصدقاء.
خلال حرب تموز 2006، وفي خضم العمليات العسكرية التي كانت مستمرة على الأرض، كانت القوى الكبرى تعمل على صياغة قرار دولي يحدد شكل المرحلة المقبلة في لبنان وجنوبه. يكشف الوزير طارق متري في كتابه "حرب إسرائيل على لبنان: عن قصة القرار 1701" أنه خلال مفاوضات آب/ أغسطس 2006 في نيويورك، وجد الوفد اللبناني نفسه في مواجهة مسودة أميركية - فرنسية أولية لم تتضمن انسحاباً "إسرائيلياً" فورياً ولم تستند بصورة كافية إلى المطالب اللبنانية الواردة في «خطة النقاط السبع».
يدرج الكتاب أن المندوب الأميركي جون بولتون والمندوب الفرنسي جان مارك دو لا سابليار كانا يجريان محادثات وصياغات ثنائية بعيداً عن بقية أعضاء المجلس، ومن دون إطلاع لبنان عليها، وقد أثار ذلك استياء عدد من المندوبين الدوليين أنفسهم، ما دفع المندوب الروسي فيتالي تشوركين الى تسريب مسودة لمتري هي عبارة عن مشروع قرار أميركي – فرنسي كانت واشنطن وباريس تستعدان لطرحه على مجلس الأمن من دون إطلاع لبنان عليه.
تكمن أهمية هذه الواقعة في أنها تُظهر مدى سهولة تهميش الدولة المعنية نفسها عندما تكون خارج دوائر النفوذ والتأثير. فبينما كان لبنان يتعرض للحرب على أرضه، كانت القوى الكبرى تناقش مستقبله وترتيبات ما بعد الحرب من دون مشاركته الكاملة، ولو لم يحصل الوفد اللبناني على دعم من دول صديقة ودول عربية، خصوصاً قطر التي كانت عضواً في مجلس الأمن حينها، لكانت التسويات الدولية فرّطت بالجنوب اللبناني وبسيادة لبنان.
ويذكر متري أن المسودة المسرّبة كانت تحمّل حزب الله وحده مسؤولية اندلاع الحرب، وتتجاهل حجم التدمير الذي سببه الرد الإسرائيلي، كما أنها أشارت إلى الأسرى "الإسرائيليين" وتجاهلت الأسرى اللبنانيين في السجون "الإسرائيلية"، فضلاً عن أنها لم تطالب بوقف كامل للعمليات العسكرية "الإسرائيلية" بل للعمليات "الهجومية" فقط (أي انها تتيح "لإسرائيل" استمرار عملياتها في لبنان بشكل يشابه ما يسمى حرية الحركة اليوم)، وكانت تنص على انشاء قوة متعددة الجنسيات تحت الفصل السابع لتقوم بما عجز الإسرائيلي عن القيام به خلال الحرب (أي نزع سلاح حزب الله وانهاء وجوده في الجنوب).
في هذه المرحلة تحديداً برزت أهمية الدعم العربي، حيث شارك الوفد العربي في اجتماع مع الدول المعنية بهدف الدفاع عن السيادة اللبنانية وإدخال مطالب لبنان إلى النص النهائي للقرار. ويصف متري المناقشات التي سبقت القرار بأنها كانت شاقة وصعبة بسبب ما اعتبره تعنتاً من جانب جون بولتون وضعف استعداده للاستماع إلى وجهة النظر العربية المؤيدة للموقف اللبناني. لذلك لم يكن وجود الوفد العربي مجرد حضور بروتوكولي، بل كان يشكل عنصر ضغط ومساندة حقيقياً للبنان في مواجهة مواقف القوى الكبرى.
ومن المفارقات التي يكشفها متري أن المندوب الأميركي أبدى في مرحلة من المراحل استعداداً للقبول بالفصل السادس، بينما تمسك المندوب الفرنسي بالفصل السابع لأسباب مرتبطة بطبيعة القوات الدولية وقواعد اشتباكها. ولم يُحسم الخلاف إلا بعد تدخل رئيس الوزراء الإيطالي رومانو برودي وإعلان استعداد إيطاليا للمساهمة في القوة الدولية، وهو ما ساعد على الوصول إلى التسوية النهائية.
النتيجة النهائية كانت صدور القرار 1701 بصيغة أكثر توازناً من الصيغ الأولى المطروحة، متضمناً عناصر أساسية طالب بها لبنان، ومنها تأكيد سيادته ووحدة أراضيه، وانتشار الجيش اللبناني في الجنوب، وربط الانسحاب الإسرائيلي بهذا الانتشار، والحفاظ على السيادة اللبنانية.
إن الدرس الذي تقدمه هذه التجربة واضح: لبنان لم ينجح في تحسين شروط التفاوض لأنه كان الأقوى على الطاولة، بل لأنه لم يكن وحيداً. استفاد من وجود أطراف الى جانبه على الطاولة ومن دول عربية صديقة لديها شبكة علاقات دولية ساعدت على منع تمرير صيغ كانت أقل انسجاماً مع المصالح اللبنانية. لذلك فإن أي مفاوضات مصيرية يُقبل عليها لبنان من دون ظهير عربي أو إقليمي، ومن دون حلفاء قادرين على التأثير في مراكز القرار، تنطوي على مخاطر جدية بتحويل لبنان الى لقمة سائغة في فم "إسرائيل".
من يختطف المسيحيين ليكونوا "طائفة التطبيع والتحالف" مع "إسرائيل"؟ _ د. نسيب حطيط
اليمن... بين حُكم الغائبين والأحكام الغيابية _ أمين أبو راشد
تركيا وسوريا تخطفان الامن والسيادة اللبنانية _ د. نسيب حطيط
الفيل الأمريكي يحرق الدول والأنظمة ويترك أدواته حطباً للنار التي أشعلوها _ د. نسيب حطيط