زيارة "الشيباني" إلى طرابلس استفزاز للسعودية؟ ولهذا السبب لم يدعُ بارودي "داعمي الثورة" _ حسان الحسن

السبت 11 تموز , 2026 11:52 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات
إثر سقوط الدولة والمجتمع في سوريا في الثامن من كانون الأول 2024، تجدد الصراع السُنّي - السُنّي بين تركيا والمملكة العربية السعودية على بلاد الشام، بسبب الفراغ السياسي الذي خلّفه غياب دمشق وحضورها ودورها ونفوذها في المشرق العربي. 
ويعود هذا الصراع إلى حقبة 1816-1818؛ حين قاد القائد العسكري المصري إبراهيم باشا حملةً عسكريةً ضخمة بأوامر من السلطنة العثمانية على الدولة السعودية الأولى، وانتهت باقتحام الدرعية عاصمة السعودية آنذاك، وأسر الإمام عبد الله بن سعود، ثم إعدامه في إسطنبول، لتنتهي بذلك الدولة السعودية الأولى.
بعدها قادت مملكة الحجاز - السعودية حالياً - "الثورة العربية الكبرى" في العام 1916 لطرد العثمانيين من شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام، إلى أن خرج العثمانيون من هذه البلاد نهائياً في العام 1918.
وفي هذا السياق، يُذكر أن العاهل السعودي الراحل الملك عبد الله بن عبد العزيز سعى إلى تأسيس "هلال سعودي" يمتد من بيروت إلى دمشق مروراً بعمّان وصولاً إلى المملكة، غير أنه اصطدم بعوائق جمّة، أبرزها اغتيال الرئيس رفيق الحريري في شباط 2005 في العاصمة اللبنانية.
إذاً، فإن الصراع بين الجانبين التركي والسعودي قديم العهد عاد ليتجدد بعد سقوط سوريا في نهاية العام 2024، خصوصاً بعدما هيمنت أنقرة على مختلف المفاصل الأمنية والسياسية والاقتصادية في البلاد السورية، على اعتبار أن تركيا كانت الراعي الأول للمجموعات التكفيرية الإرهابية المسلحة التي تسيطر على أجزاء من سوريا اليوم. 
وقد أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالفم الملآن: "إنني والرئيس التركي رجب طيب إردوغان سمّينا أبا محمد الجولاني، زعيم جبهة النصرة لبلاد الشام في تنظيم القاعدة، رئيساً على سوريا". 
في الوقت عينه، تحاول الرياض بسط نفوذها في هذا البلد عبر مشاريع استثمارية وما شابه، ومن الواضح أن حدود الصراع بينهما لم تقف عند حدود الجمهورية العربية السورية، بل تعدّت هذه الحدود لتصل إلى بيروت وجنوب لبنان،وتجلّى ذلك من خلال زيارة وزير خارجية الجولاني، أسعد الشيباني، إلى لبنان في الأيام الفائتة، ودخول دولة قطر حليفة تركيا على خط تثبيت وقف النار في لبنان، وتشكيل لجنة مشتركة تضم إيران والولايات المتحدة ولبنان لمراقبة وتثبيت وقف إطلاق النار بين لبنان والكيان الصهيوني.
والأبرز من كل ما ذُكر آنفاً، بل الأخطر في سياق الصراع بين الجانبين التركي والسعودي، خصوصاً لجهة تمدد النفوذ التركي في المشرق، هو ما أعلنه الرئيس الأميركي صراحة بعد لقائه الجولاني على هامش انعقاد قمة "الناتو" في أنقرة في الآونة الأخيرة، حيث أكد ترامب أن "الرئيس السوري قدّم له التزاماً بشأن حزب الله"، من دون أن يوضح ما هو هذا الالتزام. 
هنا يرجّح مرجع سياسي سوري أن "يؤدي الجولاني دوراً ما في لبنان للتخلص من سلاح المقاومة، ولكن بالتنسيق مع السلطات اللبنانية"، ويختم المرجع بالقول: "لا يمكن إغفال الدور التركي في هذا الشأن، إن كان إيجاباً أم سلباً، أي إن كان ضد أو مع إنهاء سلاح المقاومة اللبنانية".
وفي تفاصيل زيارة الشيباني إلى لبنان، وتخصيصه وقتاً كبيراً منها لمدينة طرابلس، تؤكد مصادر سياسية لبنانية أن "هذه الزيارة تمت بتكليف تركي، لما لطرابلس من رمزية لدى المسلمين السنة في المنطقة، ولإحتوائها عدداً من المعارضين والفصائل المعارضة لدمشق خلال الحرب على سوريا بين الأعوام 2011 - 2024". 
كذلك لا تُخرج المصادر هذه الزيارة من دائرة صراع النفوذ السعودي - التركي على بلاد الشام، وفي هذا الصدد تكشف أن "أمين الفتوى في طرابلس الشيخ بلال بارودي لم يدعُ عدداً من داعمي الثورة السورية إلى مقر دار الفتوى في عاصمة الشمال اللبناني للقاء الشيباني، كالشيخ سالم الرافعي، بتعليمات من سفارة عربية، ما دفع مفتي طرابلس والشمال الشيخ محمد إمام إلى تقديم الاعتذار من الرافعي، على سبيل المثال".
وعن سبب عدم دعوة "داعمي الثورة" للقاء وزير خارجية الجولاني، تلفت المصادر إلى أن "السفارة العربية المذكورة لا ترغب بأن يؤدي الإسلاميون في طرابلس أي دور في لبنان في الوقت الراهن، خارج تعليمات هذه السفارة ورغبتها"، دائماً بحسب معلومات المصادر. 
وفي السياق عينه، تضع مصادر سياسية سورية زيارة الشيباني إلى طرابلس في إطار تعزيز النفوذ التركي في المنطقة، على اعتبار أن هذه المدينة تشكّل أحد أبرز مقار الثقل "الإسلاميين الجدد" في لبنان، المدعوم من أنقرة والدوحة، والمحظورين في المملكة العربية السعودية، خصوصاً أن الشيباني محسوب على النظام التركي. 
وتختم المصادر بالقول: "بصرف النظر تفاصيل هذه الزيارة وأهدافها، لا ريب أن لبنان وسوريا والعراق وفلسطين ذاهبون نحو تحوّل تاريخي وتقرير مصير جديد، بعد انتهاء الحرب الدائرة في المنطقة، وما ستفرزه من موازين قوى جديدة".


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل