أقلام الثبات
تبدو إيران "جوزة قاسية" على أسنان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حسب وصف الصحافة الغربية، مما أوقع الأخير في مطب ليس من السهل الخروج منه، من دون مساعدة تبدو إيران مستعدة لها، ليس فقط لتجنب الحرب المدمرة على كلا طرفيها، بل لتحقيق إنجازات ترضي الطرفين الأميركي والإيراني، خصوصاً عندما نضع في الحساب أن حكومة اليمين المتطرف الموجودة في الكيان الذي يحتل فلسطين، تعتبر أن إنقاذها وإطالة عمرها، يكمن في جر أميركا إلى هذه الحرب، فيما إيران تهتم بالحفاظ على صناعاتها الدفاعية، مع تجنب إشتعال حرب ستكون قاسية على كل الأطراف، بمن فيهم "الإسرائيلي" نفسه.
فالرئيس الأميركي وضع نفسه بين مطرقة الضغط "الإسرائيلي" ولوبياته النافذة في واشنطن؛ التي تسعى لجر الولايات المتحدة إلى الحرب ضد إيران؛ وبين سندان تمسك إيران بحقها في صناعة وتطوير أسلحتها الدفاعية الصاروخية؛ وحقها في تملك تقنية ومواد التكنولوجيا النووية السلمية، مثلها مثل أي بلد متقدم.
إلا أن حسابات التوسع والهيمنة "الإسرائيلية"، مضافة إلى سياسة فرض النفوذ الأميركية؛ وعملها على السيطرة على مصادر الطاقة والتحكم فيها، على غرار ما جرى في فنزويللا، توجد حالة أميركية - "إسرائيلية"، ترفض وجود أي من عوامل القوة في الدول المحيطة بالكيان المحتل لفلسطين، وتحاول بكل الوسائل منع تكونها، لأنها تشكل خطراً على الكيان "الإسرائيلي" ومشاريعه التوسعية، كما تشكل رادعاً للمخططات الأميركية، العاملة على السيطرة على مصادر الطاقة العالمية ومنابع النفط والممرات البحرية، التي تحكم طرق نقل تلك السلع إلى العالم الغربي، الذي يحتاجها. كما تشكل عنصر قوة تعزز الاستقلال الوطني؛ وتمنع الإستباحة الأميركية والغربية لمصادر الطاقة ولأسعارها، التي تحدد فعلياً وتفرض فرضاً من قبل واشنطن، على دول المصدر وأسواقها.
تريد واشنطن استعادة نفوذها في إيران، مثلما كان أيام الشاه، وفي سبيل ذلك تفرض عقوبات متنوعة على إيران، منذ الإطاحة بنظام الشاه، وتضغط لمنع امتلاك إيران للتكنولوجيا النووية، حتى في جانب استعمالها السلمي، وتتلقى ضغوطاً "إسرائيلية" لفرض وقف صناعة الصواريخ الإيرانية، خصوصاً تلك البعيدة المدى والدقيقة التصويب، كما تطالب بوقف الدعم الإيراني لقوى المقاومة في المنطقة، التي تتصدى وحدها، من دون كل الأنظمة العربية، للعدوان التوسعي "الإسرائيلي".
في المقابل، تبدي إيران ليونة لجهة موافقتها على قصر إستعمالها للصناعة النووية على الجانب السلمي؛ وتعلن عدم سعيها لامتلاك سلاح نووي، وهذا الأمر قد يشكل مخرجاً لترامب، يجنبه شن حرب على إيران، لكنه لا يناسب الكيان الصهيوني، في مطالبه لجهة التخلص من خطر الصواريخ الإيرانية، وكذلك، لجهة وقف دعم قوى المقاومة المناوئة للغزوة الصهيونية.
وفي رسالة قدمتها البعثة الإيرانية الدائمة إلى الأمم المتحدة، اعتبرت أن التهديد المستمر باستخدام القوة من قبل الولايات المتحدة، ضد إيران، بما في ذلك البيان العلني الأخير للرئيس الأميركي، بشأن استخدام قاعدة دييغو غارسيا فيما يتعلق بهجوم عسكري محتمل ضدها، "هو انتهاك صارخ لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، ويهدد بدفع المنطقة إلى دوامة جديدة من الأزمات وعدم الاستقرار".
ودعت لعدم التعامل "مع مثل هذا التصريح العدائي، من رئيس الولايات المتحدة، على أنه مجرد خطاب، فهو يشير إلى خطر حقيقي للعدوان العسكري، ستكون عواقبه كارثية على المنطقة وسيشكل تهديدا خطيرا للسلام والأمن الدوليين".
كما دعت "لحل مقبول للطرفين، موجه نحو النتائج ومتسق تماما مع الحقوق غير القابلة للتصرف، المعترف بها لجميع الدول الأطراف في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية".
وجددت البعثة التأكيد "على أن إيران لا تزال ترى أنه إذا تعاملت الولايات المتحدة بالمثل، مع هذه المحادثات بجدية وإخلاص؛ وأظهرت احتراماً حقيقياً لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة والقواعد الآمرة للقانون الدولي، فسيكون من الممكن تماماً التوصل إلى حل دائم ومتوازن"، ودعت "مجلس الأمن والأمين العام التحرك دون تأخير قبل فوات الأوان".
وكانت إيران قد شددت سابقاً، على أنه في حال حصول عدوان عليها "ستشكل جميع قواعد ومنشآت وأصول القوة المعادية في المنطقة، أهدافا مشروعة في سياق رد إيران الدفاعي، وستتحمل الولايات المتحدة المسؤولية الكاملة والمباشرة عن أي عواقب غير متوقعة وغير مسيطر عليها".
وفي آخر محطات التفاوض بالتصريحات، بين الجانبين الأميركي والإيراني، بعد توقفها الرسمي لمدة خمسة عشر يومياً، تنقل وسائل الإعلام الأميركية أن ترامب "يدرس توجيه ضربة مبدئية محدودة لدفع إيران إلى الموافقة على إتفاق نووي". فيما تنقل وسائل إعلام أخرى، بأن إيران بعثت رسالة إلى واشنطن، مفادها "أنها مستعدة لتقديم تنازلات، في حال تناولت المحادثات بين الطرفين البرنامج النووي فقط"، مع العلم أن حدود أي تنازل إيراني، كما هو معروف، يرتبط بوقف العقوبات الأميركية على إيران، المفروضة عليها منذ اكثر من أربعين عاماً. كما أن هناك تلميحات، بأن إيران قد تغري ترامب بفتح المجال أمام الإستثمارات الأميركية للعمل فيها، فهل تنجح سياسة إيران في تجنيب ترامب الخضوع الكامل للرغبات "الإسرائيلية"، بما ينقذه من السقوط في الإنتخابات النصفية الأميركية القريبة؛ ويبقي حلمه بنيل جائزة السلام قابلاً للتحقيق، أم أن الحرب واقعة لا محالة؟
نحو علم كلام يتسع للأمة ـ د. أحمد مبلغي
إيران و"إسرائيل"... عداوة أبدية وحرب وجود ــ أمين أبوراشد
قرارات ضريبية تشعل غضب الشارع: مهلة أخيرة قبل التصعيد