أقلام الثبات
تبدُّل "تكتيكي" في مواقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الحكومة "الإسرائيلية" بنيامين نتانياهو، في التراجع أمام التهديدات الإيرانية، والتنازل عن الشروط على إيران؛ من إسقاط النظام ووقف إنتاج الصواريخ الباليستية، وحصر صناعة الصواريخ بتلك التي لا يتعدى مداها 350 كيلومتراً، إلى ما نقله موقع "أكسيوس" عن مسؤول أميركي: ترامب ونتنياهو اتفقا على أن الهدف النهائي إنهاء قدرة إيران على امتلاك سلاح نووي، علماً بأن إيران تكرر منذ سنوات، وعلى لسان المرشد الأعلى، أنها دينياً، لا يُمكن أن تنتج سلاحاً نووياً لأنه سلاح دمار شامل وقد يؤدي إلى قتل أبرياء.
هذا التراجع الأميركي الصهيوني حصل فور الإعلان الإيراني عن تعزيز "المدن الصاروخية" لديها في أحضان الأرض، بصاروخ "فتاح" الذي يبلغ مداه 1500 كلم، وصاروخ "خورمشهر 4" ومداه 2000 كلم، واستخدمهما محلل عسكري بارز كنموذجين لتبيان قدرة إيران في الردّ على أي عدوان وقال: سحبت القيادة الأميركية حاملة طائرات من مسافة 800 كيلومتر عن السواحل الإيرانية إلى مسافة 1400 كيلومتر وما زال صاروخ فتاح قادراً على الوصول إليها، أما صاروخ "خورمشهر 4" فهو لضرب الأهداف التي تراها القيادة الإيرانية مناسبة في فلسطين المحتلة، والقواعد الأميركية في الصحراء الخليجية لها أيضاً صواريخها بمديات مختلفة.
منذ الإعلان الإيراني عن التحول العسكري، من سياسة الدفاع إلى الهجوم، اتضح للجميع بمن فيهم دول الخليج التي تحتضن قواعداً أميركية أن إيران جادة في تحذيرها الحرفي: "إذا سقط صاروخ واحد على الأراضي الإيرانية سنعلن الحرب الشاملة، وكل القواعد الأميركية في البر والبحر إضافة إلى فلسطين المحتلة هي أهداف لنا".
هذا الموقف الإيراني الحاد، دفع بوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى القول في مؤتمر صحفي:"نحن نتعامل مع رجال دين شيعة متشددين، وقرارات دينية تُعقِّد أي اتفاق مع إيران، وقد فشل غيرنا سابقاً لكننا سنحاول"، وتناسى روبيو أن بلاده تتبنى "دولة دينية يهودية" هي أكثر دولة عنصرية مجرمة في العالم.
وأصاب الوزير روبيو أن القرارات الدينية تُعقِّد أي اتفاق مع إيران، وبما أنه من مواليد 1971، فهو كان في الثامنة من عمره عندما اقتلعت الثورة الإسلامية في إيران الشاه محمد رضا بهلوي عام 79، كونه كان أداة أميركا في المنطقة، ومنذ ذلك الحين أي من سبع وأربعين سنة، وإيران تعيش أسوأ وأظلم أنواع الحصارات الأميركية والغربية عليها، ولغاية ساعة اجتماع ترامب ونتانياهو منذ ساعات، وقرارهما تشديد وضبط الحصار عليها أكثر، وكل ما تملكه أميركا كبديل عن حكم "المرشد الأعلى" ذلك الوريث التعيس رضا بهلوي ابن الشاه المخلوع، اللاجىء إليها، ويُهيء نفسه كل فترة للعودة إلى طهران على متن طائرة أميركية لإسترداد العرش.
أيضاً، أغفل الوزير روبيو، وربما عمداً، ما تتداوله وكالات الأنباء ومداخلات كبار المحللين العسكريين السياسيين، عن أسباب توقُّف الرئيس ترامب عن تنفيذ تهديده بضرب إيران وإسقاط النظام فيها عبر دسّ عملاء المخابرات الأميركية والغربية والموساد بين المتظاهرين لأسباب معيشية نتيجة الحصار الأميركي، ودعوة ترامب العلنية الوقحة لهم للسيطرة على المؤسسات الحكومية.
وأغفل الوزير روبيو عمداً، تبرير هذه الفرملة للعدوان، رغم مئات الملايين من الدولارات التي تُهدر يومياً على العتاد والعديد، وعلى حاملات الطائرات والبوارج والسفن الحربية، وهذه الإستعراضات توقفت فجأة وانصرفت أميركا إلى مفاوضة إيران ليس في تركيا كما أرادت أميركا، بل في مسقط؛ حيث قررت إيران.
الجواب حكماً هو عند روبيو وترامب ونتانياهو، طالما أنه لدى العارفين البالغين والراشدين من المحللين، ومنذ سنوات، أن أميركا و"إسرائيل" لا تستطيعان هزيمة إيران وإسقاط نظام الحكم فيها عسكرياً، ليس لأن إيران تتوازن معهما في القوة العسكرية والقدرات الحربية، بل لأن إيران قارة بمساحة مليون وسبعمئة ألف كلم مربع، و"إسرائيل" ذات الإثنين وعشرين ألف كلم مربع، لا تُشكِّل سهل قمح من مساحة إيران، يحوي بضعة ملايين من مستوطنين هاربين من كل بقاع الأرض، ولا شيء يربطهم بأرض ليست أرضهم، ومطلوب منهم مواجهة شعب عقائدي من عشرات الملايين، نصفه على الأقل تربى على عقيدة أميركا هي الشيطان الأكبر، وأن إسرائيل التي تحتل القدس، كل حياة مستوطنيها الغاصبين، محصورة في حقل مساحته ألف ومئتي كلم مربع وسط الكيان، يجمع كل بناهم التحتية، وتمطره إيران خلال أيام بآلاف الصواريخ على رؤوس المعتدين، متى حاولت أميركا أو "إسرائيل" التمادي في العدوان.
"إسرائيل" أسرفت في القتل والتدمير... لكنها لم تنتصر بعد ــ د. نسيب حطيط
لبنان بين صُنّاع المتاهة واستعادة السيادة ــ يونس عودة
انتخِبونا... لنجلدكم بالضرائب والرسوم ــ د. نسيب حطيط