خاص الثبات
إذا كان هناك درسٌ ينبغي أن يتعلمه كل من يختار نسج العلاقات في الخفاء أو العلن مع بنيامين نتنياهو، فهو أن أسراره ليست أمانة، وتحالفاته ليست عهداً، وما يُقال خلف الأبواب المغلقة قد يتحول، في أول موسم انتخابي، إلى مادة دعائية يلوّح بها أمام جمهوره.
نتنياهو لا يتردد في استثمار كل علاقة، وكل لقاء، وكل تفاهم، ليصنع منها دليلاً على نجاحه السياسي. بالنسبة إليه، لا قيمة للسرية إذا تعارضت مع مصلحته الانتخابية وسباسة كيانه الهش، ولا مكان للمجاملة عندما يحين وقت حصد الأصوات. فالحليف عنده ليس شريكاً دائماً، بل ورقة تُستخدم عندما يحتاج إليها، ثم تُكشف أمام الجميع إذا كان في كشفها مكسب سياسي.
من يراقب مسيرة الرجل يدرك أن هذا السلوك ليس استثناءً، بل نهجٌ متكرر لكيان صهيوني. فهو يقدم نفسه للإسرائيليين باعتباره الزعيم الذي استطاع فتح الأبواب المغلقة، وإقامة قنوات اتصال، وبناء تفاهمات مع أطراف كانت، في العلن، تنفي وجود أي علاقة. وكلما اقترب موعد الانتخابات، ازدادت شهية نتنياهو للإفصاح عن تفاصيل كان أصحابها يفضّلون بقاءها طي الكتمان.
يقول نتنياهو: "لم نكن وحدنا في مواجهة إيران، فقد زرت الإمارات، كما تواجد مسؤولون سياسيون وعسكريون إسرائيليون في أبوظبي خلال فترة الحرب مع إيران."
كما صرّح قائلاً إن "السلطة اللبنانية وقفت إلى جانبنا في مواجهة إيران وحزب الله. وعندما حاولت إيران دفعنا للخروج بالقوة من جنوب لبنان، حالت السلطة اللبنانية دون ذلك، ووافقت على استمرار وجودنا هناك."
إن أكثر ما يلفت الانتباه ليس ما يقوله نتنياهو، بل الصمت الذي يحيط بمن قال إنهم كانوا شركاء في تلك الوقائع. فإما أن ما يقوله صحيح، وعندها يكون قد كشف ما أرادوه سراً، وإما أنه غير صحيح، وعندها يصبح الصمت نفسه علامة استفهام تستحق التفسير. وفي كلتا الحالتين، يبقى المستفيد الأول هو نتنياهو، الذي يرسخ صورته أمام ناخبيه باعتباره رجل العلاقات والنفوذ والاختراقات، مع أنني أصدق نتنياهو هذه المرة.
السياسة تقوم على المصالح، لكن حتى المصالح تحتاج إلى حد أدنى من الثقة. وعندما يكون الطرف المقابل معروفاً بتحويل أسرار الآخرين إلى أدوات للدعاية، فإن الرهان عليه يبدو أقرب إلى المغامرة منه إلى الحسابات الرشيدة.
لذلك، فإن الرسالة التي يبعثها نتنياهو، واضحة: إذا أردتم الحفاظ على أسراركم، فلا تضعوها بين يديه. فهو قد يصافحكم في الغرف المغلقة، لكنه لن يتردد في الحديث عنكم من فوق المنابر عندما تقتضي مصلحته السياسية ذلك. وعندها، لن يكون أمام من وثقوا به سوى إدراك الحقيقة متأخرين: خذوا أسراركم من نتنياهو قبل أن يحولها إلى شعار انتخابي، ولا تنسوا أن التطبيع خيانة.
مهادَنة الحكومة إجهاض لجهود إيران.. ودعم لمسار واشنطن _ د. نسيب حطيط
نتنياهو بين أزمتي الداخل والخارج: الاتفاق مع لبنان كإنجاز _ د. ليلى نقولا
ترامب.. وسيناريو تسليم كأس العالم في ظل خصومته مع نصف الدول المُشاركة _ أمين أبوراشد