أقلام الثبات
تستمر الحرب الأمريكية - "الإسرائيلية" على المقاومة اللبنانية بتغيير الوسائل والأطراف وجبهات القتال بعد فشل حربها المستمرة منذ ثلاث سنوات نتيجة صمود المقاومة اللبنانية وإيران، وولادة ثنائية "المقاومة اللبنانية وإيران" كبديل طوارئ لمحور المقاومة بسبب الضربات القاتلة التي تعرّض لها.
بالرغم من تأسيس مذكرة التفاهم الإيرانية - الأمريكية لاتفاق "عدم اعتداء" بين أمريكا (بالأصالة عن نفسها وبالإنابة عن "إسرائيل" والدول الشريكة معها) وبين إيران وحركات المقاومة، إلا أن ما أعلنه الرئيس دونالد ترامب بالتزامن مع توقيع المذكرة يحمل مؤشرات خطيرة بأنه "قام وبالتنسيق مع الرئيس التركي أردوغان"، بتعيين "الجولاني" رئيساً لسوريا باسمه الجديد "أحمد الشرع"، وانه يمكن "اسناد ملف حزب الله اليه" ورغم النفي — الذي تشوبه بعض الالتباسات والغموض — من قِبل الرئيس السوري الجديد بعدم نيته غزو لبنان، وتأكيده مساندة الحكومة اللبنانية بحصر السلاح، إلا أن مؤشرات عديدة تجعل هذا الخيار الأمريكي - "الإسرائيلي" قائماً، مما يستوجب عدم التعاطي مع هذه التطمينات بسطحية أو والاطمئنان اليها، فغزو النظام السوري للبنان قد يتم تنفيذه، سواء بإرادته أو رغماً عنه، خصوصاً أن أمريكا تستطيع الالتفاف على "البند الأول" من مذكرة التفاهم مع إيران، باعتبار أن سوريا خارج إطار الالتزام المتبادل، لكونها لم تكن شريكة في الحرب الأمريكية - "الإسرائيلية" على إيران.
الغزو السوري - في حال حصوله - يمثل مطلباً تتقاطع فيه مصالح أطراف إقليمية ودولية وفق الآتي:
النظام السوري الجديد، وفي حال خضوعه للرغبة الأمريكية وتنفيذ طلب الحرب على حزب الله، سيكتسب مشروعية دولية يحتاج إليها لتثبيت نفسه في المنظومة الأمنية والسياسية الإقليمية، وربما تعتمده امريكا "كدولة وظيفية" لتحقيق مصالحها، نظراً إلى موقعها السياسي، وثرواتها، وخزانها البشري الذي تحتاجه واشنطن في حروبها البديلة، لعجز الدول الخليجية عن القيام بهذا الدور.
التحالف الأمريكي - "الإسرائيلي" الذي يعاني من عجز مشهود في نزع سلاح المقاومة في لبنان عسكرياً، ويتجه لتكليف أطراف إسلامية وعربية بهذه المهمة لتحقيق أهدافه دون دفع أي ثمن، والتخلص من قوتين إسلاميتين عربيتين، رغم اختلافها في الأهداف والعقيدة.
تركيا التي تشعر بالتهميش الإقليمي والتحييد عن الملف السوري، بعد تلميح الرئيس الأمريكي بإمكانية إسناد ملف حزب الله إلى أحمد الشرع، واستبعادها من اللجنة الرباعية التي تضم (أمريكا، وإيران، وباكستان، وقطر) المكلّفة بإدارة تنفيذ مذكرة التفاهم، مما جعل تركيا خارج المنظومة الإقليمية وتعامل أمريكا معها "كدولة ممتثلة وتابعة" لا شريكة، بعد أن صودر منها قرار التحكم بالرئيس السوري الجديد، مع انها تحملت أعباء إدارة الحرب ضد نظام بشار الأسد، ولم تحصد حتى الآن سوى فتات اقتصادي، ولم تنجح بإنهاء الملف الكردي.
حكومة التطبيع اللبنانية وبعض القوى السياسية والطفيليات السياسية من نواب ووزراء وإعلاميين ممن صُنعوا في أروقة السفارات والتمويلات الخارجية، وعجزوا عن إثبات وجودهم التمثيلي، لا سيما داخل الطائفة الشيعية حيث إن تعاون الحكومة اللبنانية مع سوريا الجديدة في هذا الملف قد يرفع عنها حرج تهمة الخيانة والعمالة الناتجة عن تعاونها وتنسيقها مع الحكومة "الإسرائيلية".
لكن ورغم الرغبة الأمريكية المعلنة، والموقف "الإسرائيلي" الغامض، والرغبة السورية الكامنة في الثأر من المقاومة، فإن عقبات وخسائر ستصيب أكثر من طرف محلي وإقليمي في حال تنفيذه فهذا التدخل سيقحم أطرافاً أخرى في المواجهة وفي مقدمتها (العراق - الحشد الشعبي)، وسيغرق لبنان في حرب أهلية (مباشرة أو غير مباشرة) توقظ الفتنة المذهبية "السنية - الشيعية"، كما سيزعزع النظام السوري نفسه الذي لا يزال في طور تثبيت قواعده الهشة، ويعيد خلط الأوراق في منطقة تسعى أمريكا لتهدئة الصراع العسكري فيها، وأي مغامرة أو حسابات خاطئة بتكليف سوريا بغزو لبنان ستعيد الأوضاع إلى المربع الأول، وتطيح بكل ما توهّمت امريكا بأنها أنجزته.
نتمنى ألا ينزلق النظام السوري الجديد — طوعاً أو كرهاً —في هذه المقتلة، وعلى رعاته الإقليميين، لا سيما تركيا، الحذر من هذا المشروع الخبيث الذي سيطال الجميع، عاجلاً أم آجلاً، مع التأكيد على أن ما عجزت عنه "إسرائيل" وجيشها (الأقوى في المنطقة عسكرياً) لن يقدر عليه النظام السوري الجديد وجماعاته الرديفة، دون أن يسخّف ذلك من قدرتهم على القتل وارتكاب المجازر.
ينبغي التعامل مع هذا التهديد بجدية تامة، وعدم الاكتفاء بتصريحات الرئيس السوري، فقد يُرغم على ذلك، أو يُستبدل بمن يقوم بهذه المهمة القذرة، فمن عيّن الشرع لأداء مهمات محدّدة، قادرٌ على عزله أو تصفيته وتعيين بديل آخر.
الغزو السوري "الذي تفرضه أمريكا".. والأطراف الرابحة _ د. نسيب حطيط
الخميس 25 حزيران , 2026 01:01 توقيت بيروت
أقلام الثبات
إيران تُروِّض الوحش الأميركي _ عدنان الساحلي
مفاوضات لا تُنهي الصراع.. بل ترسم خطوطاً جديدة _ يونس عودة
"إسرائيلُ" تُدمّر.. و"كتلة نوّاب إسرائيل" في لبنان تطالب إيران بالتعويضات! _ د. نسيب حطيط