عندما دخلت غزة نهائي كأس العالم _ د. ليلى نقولا

الثلاثاء 21 تموز , 2026 01:22 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات
لم يكن نهائي كأس العالم بين إسبانيا والأرجنتين الأحد الماضي مجرد مباراة كرة قدم بالنسبة إلى ملايين المتابعين حول العالم. أيام قبل المباراة، كان واضحاً أن جزءاً كبيراً من النقاش الدائر ارتبط بالمواقف السياسية للبلدين من الحرب على غزة والصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وساهم في ذلك الدعم العلني الذي أعلنه بنيامين نتنياهو وعدد من المسؤولين الإسرائيليين للأرجنتين، في ظل العلاقات الوثيقة التي تربط حكومة خافيير ميلي بإسرائيل.

في موقف غير معتاد، بالمعنى الدبلوماسي والإعلامي، لم يكتفِ نتنياهو بإعلان إعجابه بالأرجنتين أو تفضيله لها، بل استقبل السفير الأرجنتيني في إسرائيل الحاخام شمعون أكسل واهنيش، وتسلم قميص المنتخب الأرجنتيني، وتبادل خلالها رسائل سياسية مع الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، وربط دعمه للمنتخب مباشرة بالعلاقة الخاصة التي بناها ميلي مع إسرائيل، قائلاً إن كثيرًا من الإسرائيليين يؤيدون الأرجنتين لهذا السبب.

ولم يأتِ الموقف منفردًا، بل رافقته مواقف علنية من وزراء ومسؤولين إسرائيليين بارزين مثل بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير وجدعون ساعر، الذين أعلنوا دعمهم للأرجنتين وربطوا ذلك بصورة مباشرة بعلاقات الرئيس ميلي مع إسرائيل.

في المقابل، وجد كثير من المتضامنين مع فلسطين في إسبانيا خياراً طبيعياً بسبب مواقف حكومة بيدرو سانشيز التي تعد من أكثر الحكومات الأوروبية انتقاداً لإسرائيل ودعماً للاعتراف بالدولة الفلسطينية. وهكذا أصبح السؤال عند كثيرين: مع أي معسكر تقف؟ أكثر من كونه: أي منتخب تعتقد أنه الأفضل؟

وبالعودة الى المنتخب الأفضل، يجد العديد من الخبراء الرياضيين أن الفيفا كانت منحازة بشكل واضح الى الارجنتين. الجدل الأكبر جدل حصل بعد مباراة الأرجنتين ومصر في دور الـ16، عندما أُلغي هدف مصري بعد مراجعة VAR، ثم احتُسب هدف أرجنتيني اعتبره كثيرون محل جدل. وأشار منتقدون إلى تدخل قوي من الفيفا وتحيّز لصالح ليونيل ميسي لمصالح تجارية.

لا شكّ، ما فعله "الإسرائيليون" على الصعيد الرسمي كان استثنائياً من حيث حجم التدخل السياسي العلني ومحاولة ربط المباراة مباشرة بالاصطفافات المرتبطة بالحرب على غزة. في السابق كانت الدلالات السياسية للمباريات تبقى محصورة نسبياً في البلدان المعنية وبرمزيتها الوطنية؛ على سبيل المثال، حصلت المواجهة بين الأرجنتين وإنكلترا بعد حرب الفوكلاند عام 1982، وعندما التقى المنتخبان في كأس العالم 1986، اعتبر كثير من الأرجنتينيين تلك المنافسة مرتبطة بالحرب التي خاضتها بلادهم قبل أربع سنوات، وتحوّل الفوز يومها إلى حدث وطني له أبعاد سياسية واضحة.

في النتيجة، ما يستحق التوقف عنده ليس فقط الاتهامات بتحيّز الفيفا، بل محاولة اليمين "الإسرائيلي" تحويلها إلى مادة دعائية وإلحاق النصر الرياضي للارجنتين (في ما لو حصل) بسجل الإنجازات السياسية. منذ الإبادة في غزة، يسعى هذا اليمين إلى تسويق فكرة أن "إسرائيل" تنتصر في كل الساحات؛ من الحروب إلى الدبلوماسية والاقتصاد والثقافة والرياضة، حتى عندما لا تكون طرفاً مباشراً في الحدث.

ومن هذا المنطلق، جرى تصوير مباراة الأرجنتين – اسبانيا وكأنها مواجهة غير مباشرة بين "إسرائيل" وخصومها السياسيين، وسعى هؤلاء لاستغلال نهائي كرة القدم لإنتاج رواية جديدة عن الانتصار، لكن فوز إسبانيا أسقط هذه المحاولة، وأظهر حدود القدرة على مصادرة حدث رياضي عالمي وتحويله إلى إنجاز سياسي "إسرائيلي".


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل