إيران تُروِّض الوحش الأميركي _ عدنان الساحلي

الأربعاء 24 حزيران , 2026 02:22 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات

​خلال عدوان الخامس من حزيران عام 1967، وقف أحد المحسوبين على اليمين المسيحي اللبناني العنصري المتطرف، شامتاً ومتعجرفاً ليقول: إن جمال عبد الناصر يريد أن يحارب الله؛ وأميركا (يقصد الولايات المتحدة) هي الله ذاته.

​وهذه الأيام يكرر أبناء وأحفاد ذلك الجيل، الذين كُشفت حقيقة ارتباطاته بالوكالة اليهودية وبالعصابات الصهيونية، في مذكرات أكثر من شخصية يهودية تستوطن الكيان الدخيل، القائم فوق أرض فلسطين؛ وأن الأحفاد، على خطى الأباء والأجداد، منبهرون بالتسلط الأميركي بل يعبدون قوته وعدوانيته، لذلك جرت تسميتهم بالترامبيين والأبستينيين (نسبة لأبستين وجزيرته وكر الدعارة والانحراف)، وقد شهدنا خلال السنوات والأيام غير البعيدة، مدى عهرهم والتصاقهم بكل ما هو أميركي و"إسرائيلي"، خصوصاً في عدائهم للمقاومة ولكل من يقف في وجه الغزوة الصهيونية لبلادنا؛ ويرفض الهيمنة الأميركية التي ترخي بثقلها على كل مناحي الحكم في لبنان والمنطقة.

​هؤلاء المتصهينون، راهنوا على نجاح العدو "الإسرائيلي" في القضاء على المقاومة في الحرب التي شنت عليها منذ عام 2024، بمشاركة أميركية وأطلسية أوروبية وحتى من بعض الأنظمة العربية، التي لا تستطيع العيش من دون حماية أميركية، تجبرها على أن تتجند في خدمة المجرمين الصهاينة، كما راهنوا على القضاء على قوة إيران الإسلامية؛ وعلى التخلص من نظام الحكم الثوري الإسلامي فيها، بل وعلى تقسيم إيران وتفتيتها، لكن أملهم خاب وأصيبوا بصدمة سببت لهم سعاراً، كشف كل حقدهم وخيانتهم وخروجهم عن المبادئ الوطنية والإنسانية، عندما صمدت إيران وأفشلت كل أهداف الحرب الأميركية - "الإسرائيلية" عليها، بل تحولت إلى الهجوم وقصفت الكيان الصهيوني، كما قصفت المصالح والقواعد العسكرية الأميركية؛ وأقفلت مضيق هرمز، الأمر الذي جعل العالم بأسره يشهد هزيمة أميركا و"إسرائيل" ومن وقف في صفهما.

​والأمر نفسه حدث مع المقاومة في لبنان، فرغم الضربات القاسية التي تعرض لها حزب الله، عاد إلى الميدان بقوة أفقدت العدو صوابه، ففقد المراهنون عليه صوابهم بدورهم.

​لكن ثالثة الأثافي، كانت قاتلة جعلت هؤلاء يهذون، فالتفاهم الأميركي - الإيراني، بما إحتواه من تظهير للقوة والدور الإيراني وللصمود اللبناني، جعل المتطرفين في الكيان "الإسرائيلي" وكذلك صهاينة الداخل في لبنان، يشتمون الرئيس الأميركي دونالد ترامب؛ وهو الذي حمى "إسرائيل" واعطاها كل ما تملكه من عناصر القوة، كما مارس الوصاية على لبنان عبر سفارته في عوكر، التي تولت الإشراف على انتخاب رئيس الجمهورية الحالي، وعينت رئيس الحكومة نواف سلام، واختارت أعضاء حكومته، فإذا باصوات "إسرائيلية" تتهم ترامب بأنه تخلى عن "إسرائيل"، لتواجه مصيرها لوحدها، فيما لم يتورع بعض "اللبنانيين"، من محبي البلطجة الأميركي، عن وصف ترامب بالغبي وبالفاظ مماثلة، لأنه عقد مثل هذا التفاهم مع إيران، وكأن الأمر مزاج ترامبي، أو كرم أخلاق منه؛ وليس تعبيراً عن الصمود الأسطوري للشعب والجيش والحرس الثوري والقيادة الإيرانية. أو ليس كذلك، تعبيراً عن الصمود الكربلائي للمقاومين في الجنوب اللبناني، الذين تكسرت أمام تضحياتهم كل الهجمات والأطماع الصهيونية.

​والواقع أن قراءة ولو مستعجلة، للتفاهم الأميركي – الإيراني، تؤكد غباء صهاينة الخارج وصهاينة الداخل، في تقييمهم لقدرة إيران والمقاومة في لبنان، في صد أعظم قوة في العالم (أميركا) وأقوى جيش في منطقة غرب آسيا (جيش الاحتلال الصهيوني).

​فالرئيس الأميركي ترامب تعهد صاغراً بعدم التدخل في الشؤون الداخلية الإيرانية، وهي المرة الأولى في تاريخ أميركا، التي تتعهد فيها بعدم التدخل في شؤون دولة أخرى. فالسياسة الأميركية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، قامت على التدخل في شؤون الدول الأخرى؛ وعلى قلب الأنظمة التي لا تخضع للإملاءات الأميركية وقتل رؤسائها. وقتل سلفادور اليندي في تشيلي، كما قتل باتريس لومومبا في الكونغو؛ وخطف نيكولاس مادورو في فنزويللا؛ وقبلهما عشرات الأنظمة والحكام الذين أطاحت المخابرات الأميركية بهم، بل ان أميركا أرسلت جيوشها لإحتلال فيتنام وكوريا وأنزلت مشاة بحريتها في لبنان؛ وقصفت اليابان بالسلاح النووي. وها هي تتعهد لإيران بعدم التدخل في شؤونها الداخلية.

​وما يغيظ "الإسرائيلي" وأتباعه في لبنان، أن إيران فرضت على الأميركي إستكمال كل ما له علاقة بإنسحاب قوات العدو "الإسرائيلي" من المناطق الحدودية في لبنان، التي تقدم فيها خلال فترة وقف إطلاق النار. مما يثبت دوراً إقليمياً موزوناً لإيران، رغم أنف المراهنين في لبنان على القوة "الإسرائيلية، التي يدعونها سراً وعلانية للقضاء على المقاومة، بما يتيح لهم إقامة علاقات علنية مع الغزاة "الإسرائيليين".

​والأنكى بالنسبة للصهاينة الذين يحتلون فلسطين؛ وكذلك بالنسبة للصهاينة الذين يتبوأ بعضهم مناصب الدولة الرئيسية في لبنان، أن ترامب فرض على أتباعه من حكام دول النفط، تمويل تعويض إيران من أضرار حربه عليها بثلاثماية مليار دولار. كما إعترف بحق إيران بالتسلح بالصواريخ الباليستية، لتدافع عن نفسها. واعترف بإشراف إيران على مضيق هرمز وعلى تحصيل اموال على عبوره، تحت بند "خدمات". كل ذلك مقابل تأكيد إيران قرارها القديم بعدم الحصول على سلاح نووي.  

​إيران بعد هذه الحرب، روضت الوحش الأميركي وجروه "الإسرائيلي"، على عكس الرئيس المصري الأسبق أنور السادات، الذي وقف بعد حرب اكتوبر- تشرين الأول 1973، ليعلن أن 99 في المائة من أوراق الحرب والسلام في الصراع العربي –"الإسرائيلي" هي بأيدي أميركا، في إعلان منه منه عن تنازله عن كل شيء، بما فيها ورقة التوت وماء الوجه، حيث زار الكنيست "الإسرائيلي"، ثم عقد اتفاق كامب ديفيد، الذي أخرج فيه السادات مصر من الصراع العربي – "الإسرائيلي"، وأدار ظهره لفلسطين وقضيتها. وشطب دور مصر العربي والإفريقي والدولي، وأعطى أميركا و"إسرائيل" أكثر مما تطلبانه من مصر. كان استسلاماً كاملاً ترك "إسرائيل" فالتة من أي عقال في المنطقة، في ظل وعود خليجية لم تر النور بتنمية مصر وجعلها جنة يسعد فيها شعبها. وها هي مصر كامب ديفيد لم تحقق السعادة لشعبها، بل تنوء تحت الديون، ولم تحصل على تنمية تذكر. وما زال الشباب المصري يبحث عن فرص عمل هنا وهناك، فيما صحراء سيناء ما تزال صحراء، رغم وعد عرب الخليج بتحويلها إلى جنة خضراء ومدناً عامرة، تشجيعاً للسادات على الخضوع لكل الإملاءات الأميركية و"الإسرائيلية"، لكن النتيجة هي انتشار "الدواعش" وتعسكرهم في نواحيها، لتحركهم أميركا و"إسرائيل"، في حال طرأ تغيير في الموقف المصري تجاه العدو "الإسرائيلي".


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل