مفاوضات لا تُنهي الصراع.. بل ترسم خطوطاً جديدة _ يونس عودة

الأربعاء 24 حزيران , 2026 11:46 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات
في زحمة المفاوضات الجارية في مناخات خالية من الثقة المتبادلة بين الاطراف المتصارعة، لا بد من طرح مجموعة من التساؤلات في ضوء مانتج عن الحرب الاميركية - "الاسرائيلية" على المنطقة عموما، وعلى إيران ولبنان وسوريا والعراق واليمن بشكل خاص, رغم اختلاف القوة النارية في هذه الدولة او تلك، وايضا اختلاف المقاربة السياسية لكل منها، من جانب القوى المعتدية.
لا شك ان محور الصراع كانت وتبقى فلسطين وحقوق الشعب الفلسطيني, والتموضع الدولي تجاه تلك الحقوق المغتصبة، وضمنا وايضا احتلال اراض عربية في لبنان، وفي سوريا، وفي السياق فان الغرب عموما والولايات المتحدة خصوصا، فالولايات المتحدة منذ وضع الكيان الصهيوني تحت جناحيها لجأت الى الكثير من المخططات لتدمير الدول العربية ونسيجها الاجتماعي ضمن سياق واحد، وهو اخضاع البلاد المستهدفة في اطار المشروع الاستعماري الممرحل، وجرى وفق الحاجة والمرحلة استخدام بعض الاعراب المنغمسين حتى الثمالة في الطاعة لاميركا، لاستمرار الباطل, تحت شعارات كاذبة لزوم التأليب الاجتماعي, ومحاولة تأبيد الباطل, ولو ادى ذلك الى حرب ابادة، وفق ما شهده العالم سواء في فلسطين، وجزئيا في لبنان .
لذلك من السذاجة الكبرى ان يتوهمن أحد ان الحرب قد وضعت اوزارها, وليس طبيعيا بالتالي القول ان الحرب قد انتهت، او إذا ما كان الشرق الأوسط يتجه نحو سلام مستدام, ويؤكد ذلك الاعلانات الصريحة على السنة الاميركيين، وقادة ذراعهم الدموية "اسرائيل" واولئك لم يتوانوا مرة عن اخفاء نواياهم وخططهم بالاستيلاء بالقوة على اراض عربية في كل الاقطار المجاورة للحدود الفلسطينية لتوسيع الارض المحتلة في نطاق وهم "اسرائيل الكبرى".
يتضح من من إطار التفاهم الاميركي - الايراني على البنود ال14 لوقف الحرب في المنطقة ككل، واولا ان التسوية المتوخاة اميريكيا لم تؤت اكلها قياسا الى الاسباب المباشرة، وغير المباشرة للحرب, وهي الشروط الاميركية - "الاسرائيلية"، واهمها تغيير النظام في إيران، الى منع امتلاك النووي باي شكل، وتدمير الصواريخ البالستية.. واما في لبنان فالاهداف الموضوعة كانت بالوضوح نفسه وأبرزها تفكيك حزب الله كحالة سياسية - اجتماعية، بعد نزع سلاح المقاومة، ومن ثم اخضاع او ترحيل كا من يعارض السياسية الاميركية، وخصوصا بشقها "الاسرائيلي" في لبنان، واعادة تشكيل سلطة حاكمة خاضعة تماما للاميركي مباشرة، و"للاسرائيلي" تاليا، حتى لو ادى ذلك الى احتراب داخلي يمكن ان يفتت لبنان, وليس فقط نسيجه المجتمعي.
ان وقف الاعمال العسكرية بالصورة العنيفة لا يبدو انها الا مجمدة حالياً في الحرب الاطول في المنطقة منذ الحرب العالمية الثانية (أكثر من ألف يوم), وليس ممارسة واشنطن الضغط على "اسرائيل" لوقف القتل والتدمير غير المسبوق الا نتاج عوامل عدة قدرت الادارة الاميركية انعاكساتها شبه المدمرة على الولايات المتحدة داخليا وعالميا .
فشل اخضاع إيران او تدمير بنيتها رغم الاغتيالات الكبرى ولا سيما السيد علي الخامنئي, والقادة العسكريين والاستراتيجيين والعلماء , بموازاة تماسك داخلي فاجأ العالم , مع ادارة حرب اجزعت واشنطن وتل ابيب , واثلجت صدور اعداء وخصوم اميركا حول العالم .
ترميم قدراتها العسكرية بفترة قياسية واستخدام جزء منها في المعارك , وهذا الامر كان ملحوظا لعدوها ولمن عاداها، وكذلك لاصدقائها . 
عدم تنازل إيران عن اي من مكتسباتها المحققة للشعب الايراني رغم الحصار , ورفض التنازل عن ذرة من حقوق الشعب الايراني , الذي التف حول القيادة بكليته سواء الموالي او المعارض .
ادارة إيران بجدارة لورقة مضيق هرمز , بحيث لم تبقَ إيران لاعبا اقليميا , بل اصبحت لاعبا محوريا في المنطقة والعالم ,من حبث التحكم الى مدى لا يستهان به في الاقتصاد العالمي , ومن دون اللجؤ الى اوراق ثقيلة ايضا مثل باب المندب على سبيل المثال , لا الحصر .وأدت الحرب إلى تعطيل سلاسل التوريد العالمية وزعزعة استقرار التجارة وتدفقات الطاقة وتسببت في أزمات في الوقود والسلع الأساسية، مما كلف الاقتصاد العالمي ما يصل إلى 22 تريليون دولار من النمو المفقود، وفقًا لبعض التقديرات.
إدراك المنظومة الاميركيةككل, استحالة اخضاع إيران عسكريا , رغم عراضات ترامب , واستعانتها بمنظومة اعلامية وسياسية على مستوى العالم للتفاخر بما انجزته الة التدمير الاميركية , كما ان البنتاغون نفسه اقتنع بلا قفازات بان الحرب على إيران لم تعد مجدية , بل ستكون خاسرة , كما ان التسليح المطلوب لاطالة الحرب انخفض الى درجة سلبية كثيرا وغير قادر على تأمين الاحتياجات, والالتزامات سواء للجيوش الاميركية , او للجيوش الحليفة المرتبطة بعقود تسليحية . 
توسع الازمات الداخلية في الولايات المتحدة , سواء من ارتفاع الاصوات المعارضة للحرب على إيران وتوسع المعارضة السياسية لاسرائيل في الولايات المتحدة باعتبار ان الاخيرة ومن خلال بنيامين نتنياهو المكروه عالميا , جرت ترامب الى حرب فاشلة , يدفع تكاليفها دافعو الضرائب الاميركيين الذين يسعون الى الرفاهية وليس الى الفقر , واليأس .
تلمس الرئيس الاميركي ان ما كان من تحريض نتنياهو, لم يكن يستند الى حقائق بل الى غرائز دموية شاطره اياها في كتير من مراحل الحرب , وهو عبر عن ذلك بعض المرات .
استياء من بعض دول الخليج نتيجة اليقين ان استراتيجية واشنطن , وترامب خصوصا , تجاه تلك الدول لا تعدو كونها مصدر مال وتمويل للولايات المتحدة وغرائزها , وعلى الاتباع التنفيذ بلا قيد اوشرط وبالتالي لا يحوزون صفة حلفاء رغم الانحناء للسياسات الاميركية , والسعي الاميركي للتعامل معهم كمرتزقة تنفيذيين .
بلا أدنى شك فان إدارة ترامب تواجه الآن تحديات جسيمة في تقييم نتائج حرب أسفر عن آلاف الضحايا ونفقات عسكرية أمريكية لا تقل عن 35 مليار دولار، إضافةً إلى الخسائر الاقتصادية والمالية والدفاعية المباشرة وغير المباشرة التي تكبدتها الشركات الأمريكية متعددة الجنسيات ودول الخليج وأوروبا وآسيا والاقتصاد العالمي برمته.
اما التداعيات الجيوسياسية للحرب، فيجب انتظار نهاية المفاوضات ،سيما أن الحرب لم تؤد الى تسوية نهائية بقدر ما أعادت رسم خطوط الصراع وتشكيل موازين القوى.بينما  المنطقة دخلت مرحلة جديدة من الهدوء الهش، لأن الأسباب الجذرية للصراع قائمة،والمشروع الاستعماري لم يدفن بعد , والاحتلال في المنطقة لا يزال قائما , وعليه فان احتمال تجدد التصعيد العسكري يبقى حاضرا.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل