أقلام الثبات
يقع البعض في فخ الالتباس حول مفاهيم وأهداف المقاومة والمشروع المقاوم، فيحصرونها بالمقاومة المسلحة وما تستلزمه، ويعتقدون أن تحرير الأرض هدفٌ مركزي يجب تحقيقه بأي وسيلة، متجاوزين بعض "الصغائر" المخالفة للحكم الشرعي، بحجة الضرورة، ووعداً بإصلاح الأخطاء بعد التخلّص من الاحتلال والتفرغ لترميم المجتمع المقاوم، ولا بد من العمل لحفظ المشروع المقاوم الصامد والشريف، سواء هُزم عسكريًا أو انتصر، ليبقى منتصرًا على مستوى العقيدة والمبادئ والأخلاق، ومن أجل ذلك لا بد من توضيح بعض المبادئ والركائز العقائدية والسلوكية المقاوم المقاتل في سبيل الله أولًا وأخيرًا، وما بينهما:
- إن المشروع المقاوم لا ينحصر بتنظيم أو بطائفة أو مذهب، بل هو " الناس" الذين يشكلون رحم المقاومة وبحرها وحاضنتها، وهم المتراس الأساسي للمقاومين وحصنهم، وليسوا مجرد جمهور يصفّق، ويمكن أن تختفي حركات وتنظيمات المقاومة ولا ينتهي المشروع المقاوم، ما دام الناس يعتقدون بوجوبه وصوابيته، ويستمرون به، وهكذا بدأت المقاومة في الجنوب وستبقى، مما يفرض على الحركات والأحزاب المشاركة في المقاومة، ألاّ تعمّم نطقها باسم المشروع المقاوم، بل تحصر نطقها بمشروعها المقاوم الخاص.
- إن للمشروع المقاوم أركانًا وركائز عقائدية وسلوكية وأخلاقية لا يمكن تجاوزها أو إهمالها بحجة أولوية القتال العسكري مع وجوب الاقتداء بالسنّة النبوية الشريفة في ذروة القتال، وكذلك بنهج الأئمة (عليهم السلام) الذين لم يتجاوزوا الحكم الشرعي في التفاصيل والعناوين العامة.
- شرف هدف المشروع المقاوم يستلزم استعمال الوسائل الشريفة في القتال الميداني أو في المواجهة الإعلامية والثقافية، تطبيقًا لمبدأ "شرف الهدف من شرف الوسيلة"، ولا يمكن الاستعانة بمن يقعون في دائرة الشبهة السلوكية والأخلاقية أو الفساد في معركة الدفاع عن المشروع المقاوم، خصوصاً مع توفّر الكثير من المخلصين والملتزمين القادرين على تحمل هذه المسؤولية.
المشروع المقاوم هو مشروع إصلاحي يستند إلى مبدأ "الاستخلاف" الإلهي للأرض وعمارتها، الذي يُوجب تحريرها من الاحتلال والإهمال، فالأرض المحتلة "أرضٌ موات" تحتاج إلى الإحياء بالتحرير، وهو أيضًا حركة إصلاحية لتحرير الإنسان من الفساد وعبادة الأصنام والتبعية والذل، ومن غير المنطقي استخدام "المُشتبه" بفساده أو الفاسد ليكون مسؤولاً أو شريكًا في عملية الإصلاح، حتى لا يكون "الداء هو الدواء".
المشروع المقاوم الرسالي غير الدنيوي يقدّم "الجهاد الأكبر" (جهاد النفس) على "الجهاد الأصغر" (القتال في الميدان)، ولا يجوز للبعض تقديم الجهاد الأصغر على الجهاد الأكبر والإطاحة ببعض المبادئ من أجل وظيفة أو حماية مصالح شخصية، أو للدفاع عن الفاسد أو المُتهم به، ويجب ألا يُسقَط "الجهاد الأصغر" وتُصرف دماء الشهداء وأحزان عوائلهم وأيتامهم، من أجل الحصول على لقب أو منصب أو منفعة تجارية، أو للنجاة من عقاب لفساد ارتكبوه.
المشروع المقاوم هو مشروع "إلهي - نبوي"، ولا يجوز لأي شخص أن يحتكره أو يلوّثه لمصلحة دنيوية أو شخصية، مع التأكيد على أن هذا المشروع ليس ملكًا لأحد ولا يحتكره أحد، وليس لأي فرد الحق في النطق باسمه مطلقًا، بل ينحصر حق النطق باسمه في إطار التنظيم الحزبي أو المشروع الشخصي المرتبط به، دون إقحام الآخرين في مواقف لا يقبلونها، فمن أراد أن يبيع تضحياته ومقاومته وآخرته مقابل مكاسب دنيوية، فهذا شأنه (مع أننا ننصحه ونرشده ألا ينزلق في هذا الطريق)، لكن ليس له الحق في بيع تضحيات ومقاومة وآخرة الآخرين مقابل كسب دنيوي لفاسد أو انتفاع شخصي، خصوصاً بعد أن قفز بعض الكسبة والوصوليين والمسترزقين من سفينة المقاومة عند أول منعطف، ظنًا منهم أن المشروع المقاوم قد مات وانتهى، بعد أن صنعت بعض تنظيمات المقاومة منهم شخصيات إعلامية وسياسية.
مسؤوليتنا حفظ "المشروع المقاوم" و "المجتمع المقاوم"، وقبل ذلك، حفظ العقيدة والمبادئ والأخلاق، وليس حفظ الأشخاص، سواء كانوا فاسدين أو مشتبهًا بهم أو مقصرين، فنحن روّاد وأنصار المشروع المقاوم الذي يلتزم بالحديث النبوي الشريف: "لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها"، وأتباع الإمام علي (عليه السلام) الذي "أحمى حديده ووضعه بيد أخيه"، بعدما طلب زيادة على حصته لحاجته، ورغم أنه لم يسرق أو يكذب، ونحن المؤمنون بمبادئ الإمام الحسين (عليه السلام) القائل: "لم أخرج أشراً ولا بطراً، إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي"، فمن يلتزم بهذه المبادئ سيكون أخاً ورفيقاً في المشروع المقاوم، أما من يخالفها فنعتبره وصولياً ومنافِقاً ومسترزقاً، ويجب طرده.
الأعداء يهددون حاضر المقاومة ومستقبلها... والبعض يهدد تاريخها..
المقاومة مشروع إصلاحي لتحرير الأرض والإنسان ــ د. نسيب حطيط
الخميس 12 شباط , 2026 09:51 توقيت بيروت
أقلام الثبات
لوقف القصف والاغتيالات... حَاسبوا العملاء _ د. نسيب حطيط
عشرة الفجر… حين تنفّس التاريخ من رئة الشعب
"مجلس السلام" لإدارة 360 كلم مربع من الدم والدموع والدمار _ أمين أبوراشد